28-10-2008

photos activités

pjd

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

28-10-2008

الخطاب الإشهاري

الخطاب الإشهاري pdf arabe1.pdf

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

18-10-2008

الخطاب الشهاري

 

1 مقدمة:

يعد الخطاب الشهاري في عصرنا هذا صناعة إعلمية وثقافية بأتم معنى الكلمة، ولذلك فهو يحظى باهتمام

كبير في مختلف المجتمعات وخصوصاً المتطورة منها، لما يتميز به من قدرة عالية على بلورة الرأي وتشكيل

الوعي وفي التأثير على الثقافة وتوجيهها في أبعادها المختلفة الخلقية والفلسفية.

وبالرغم من هذا فإن هذا النوع من الخطابات ما يزال يحبو ويكاد يكون مجهول في كتاباتنا ومناهج تدريسنا

ودراستنا باللغة العربية وبخاصة في اللغة والدب التي ل بد أن تتغير وتتطور وتواكب عصرها، إذ ل شك

في أن الخطاب الشهاري يعد من الخطابات التي تندرج في إطار الممارسة الثقافية كالخطاب الدبي أو

السينمائي أو البصري… فهو يؤثث فضاءات اليومي ويُستهلك إلى جانب الخطابات الخرى، كما يكتسي

طابعاً ثقافياً يتمثل في مكوناته اللغوية والسيميائية والتداولية، بالضافة إلى بعده القتصادي والجتماعي

المرتبط بالدعاية التجارية

تهدف هذه الدراسة إلى محاولة البحث عن جملة العناصر التي تجعل من الشهار خطاباً سيميائياً وتداولياً

بالنظر إلى صوره الثابتة والمتحركة بما تحمله من كفاءة وقوة على التبليغ والتواصل وما يكمن فيها من

عناصر جمالية وفنية وطاقة وفاعلية في التأثير على المتلقي، وذلك أن الشهار فن إعلمي يستند على

مؤشرات مرئية مثل العناوين في كتابتها ومضامينها وأنواع الطباعة والصورة… من خلله يمكن تأسيس

تعارف وعلقة بين المخاطب والمتلقي أو بين المنتج والمستهلك. فهدفه أولً وقبل كل شيء هو تبليغ

خطاب، ولذلك يتوخى أن تكون أفكاره واصفة وهادفة ويستعمل وسائل تبليغ متنوعة ومتناسقة يسخرها

كلها في سبيل تحقيق الهدف المحدد.

وهكذا فإن الشهار متنوع الشكال والهداف، فقد يتم توجيهه إلى فرد أو جماعة أو حزب أو أمة… وقد يكون

علمياً أو ثقافياً أو سياسياً أو اقتصادياً، وقد يكون مسموعاً أو مكتوباً أو سمعياً بصرياً. إنه كما يقال: « فن

مركب يضع العالم بين يديك »

2 أنواع الشهار:

أ الشهار المسموع:

ويتم من خلل الكلمة المسموعة في الذاعات والمحاضرات والندوات والخطب… وتعد الكلمة المسموعة أقدم

وسيلة استعملها النسان في الشهار، وأهم ما يميزها هو طريقة أدائها، إذ يلعب الصوت دوراً بالغ الهمية

في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس، وتصحب الكلمة

المسموعة أحياناً الموسيقى فتزيدها طاقة كبرى على اليحاء والوهم والتخيل، وعملً على استثارة الحلم

وإيقاظ الراقد في العماق.

ب الشهار المكتوب: ويتخذ وسيلة له الصحف والمجلت والكتب والنشرات والتقارير والملصقات على

جدران المدن أو في ساحاتها العامة حيث يكثر الناس وذلك ما نلحظه من صور لزجاجات العطر أو أنواع

الصابون أو الساعات…الخ.

والمر نفسه لما نلحظه من إشهار على اللوحات العلنية الثابتة أو المتحركة في ملعب كرة القدم مثلً، لنَّ

ذلك يجعلها تشيع ويتسع مداها وتصل إلى أكبر قدر ممكن من المتلقين…

ج الشهار المسموع والمكتوب )السمعي البصري(:

وسيلته الساسية التلفزة، ويتم بالصورة واللون والموسيقى وطريقة الداء والحركة والموضوع، فهو، إن

صح التعبير، عبارة عن « ميكروفيلم » يتعاون على إنتاجه وإنجازه فريق عمل متخصص في: الخراج

والديكور ووضع الثاث، والحلقة والتجميل، والضاءة والتسجيل وضبط الصوت والتركيب والتمثيل…الخ.

وهذا يبين بما ل يدع مجال للشك أهمية الشهار كخطاب سار في المجتمع له خصوصياته وأبعاده،

وأهمية الدور الذي تلعبه التلفزة كوسيلة إعلمية في المجتمع…

ويمكن أيضاً أن نقسم الشهار إلى:

أ إشهار تجاري: ويرتبط بالستثمار والمنافسة، ولذلك فإن استراتيجيات التسويق واستراتيجيات الشهار

مرتبطان ببعضها.

ب إشهار سياسي: ويرتبط بالتعبير عن الراء المختلفة ومحاولة التأثير على الرأي العام بتقديم الشهار في

شكل يبرز أهمية الرأي بأنه هو الحسن وهو الفضل من بين كل الراء الخرى المتواجدة في الساحة، كما هو

الحال في الدعاية للحملت النتخابية.

ج إشهار اجتماعي: ويهدف إلى تقديم خدمة أو منفعة عامة للمجتمع، مثلً: العلن عن مواعيد تلقيح

الطفال أو إسداء نصائح للفلحين، أو الدعوة إلى الوقاية والحذر من أمراض معينة. ولذلك نلحظ هذا النوع

من الشهار غالبا ما يأتي تحت عنوان: « حملة ذات منفعة عامة » كما هو الحال في التلفزيون الجزائري.

3 عناصر الخطاب الشهاري ووظائفه:

يتأسس الخطاب الشهاري على جملة من العناصر المترابطة ببعضها باعتباره نسيجاً لغوياً وغير لغوي

تتشابك فيه مجموعة من الوسائل والعلمات وفق قواعد تركيبية ودللية وتتمثل هذه العناصر في:

أ المرسل:

وهو الذي يُحدث الخطاب ويعمل على شحنه بما يحتاجه من مادة إشهارية لزمة بالنظر إلى الموضوع الذي

يدور حوله الشهار، ثمَّ يقوم بإرساله نحو المتلقي الذي يتحدد بناء على نوعية المنتوج: فالروائح والعطور

والورود… ترسل إلى النساء والحليب والجبن وأنواع الحلوى واللُّعب ترسل إلى الطفال… والحقائب البراقة

والمكاتب الفاخرة والسيارات اللّماعة غالباً ما يتم إرسالها إلى رجال العمال… وهكذا يعمل المرسل )الشهاري

في الخطاب الشهاري، La fonction expressive على تحقيق الوظيفة التعبيرية ) le pubiciste

فيضمنه ما يثير ذوق المرسل إليه أو المتلقي ويسيل لعابه نحو المنتوج، ولذلك يكيف صيغه حسب الحوال

والمقامات التي يقتضيها.

ب المرسل إليه )المتلقي(:

وهو العنصر الثاني المهم في العملية الشهارية وهو المقصود بالشهار ول تتم العملية الشهارية إل به ومن

إذ يعمل المرسل La fonction conative ou appellative خلله تتحقق الوظيفة الفهامية أو الطلبية

على إفهام المرسل إليه بجدوى المنتوج وأهميته بأي طريقة، فيقدم على استهلكه ويحقق الهدف الساسي

الذي يريده المرسل.

ب الخطاب أو الرسالة الشهارية:

ويفترض وجود مرسل أو متكلم يُحدث أقوال ومتلقيا يستقبل هذه القوال ويعمل على فهم أنساقها الدللية

المختلفة واللسانية والسيميائية )اليقونة البصرية( وتحليلها وتأويلها بعد ذلك. وهنا تتحقق الوظيفة

وهي تعد الوظيفة السيدة في الخطاب بعامة وفي الشهار بخاصة ، La fonction poètique الشعرية

وبقية الوظائف خدم لها إن جاز القول.

: La situarion ج المقام

إن العلقة بين المرسل والمرسل إليه أو بين المخاطِب والمتلقي ل تتم بشكل اعتباطي أو خبط عشواء، وإنما

تتم بحسب ما يقتضيه المقام وأحوال الخطاب وظروفه المختلفة المحيطة بإحداثه وإنتاجه وإرساله

واستقباله، وما يتطلب ذلك من خصائص لغوية وغير لغوية يمكن أن نطلق عليها « قرائن الخطاب أو

الحديث ») 6( وهو كما يرى الدكتور عصام نور الدين « الطار أو الموضوع الذي يقع تحته الحديث سواء أكان

فكاهة أم رواية أم خطبة أم شعراً أم أي مرسلة أخرى ولكل إطار سمات تميزه عن بقية الطر وتؤثر لغوياً

في الموضوع وفي اختيار الكلمات وضروب الستعمال وطول التراكيب اللغوية أو قصرها… ».

بالنسبة لمرسله Le fonction rèfèrentielle ومن خلل عنصر المقام تتحقق الوظيفة المرجعية

ولمتلقيه بما يحملن من خصوصيات لغوية وغير لغوية وثقافية وإيديولوجية واجتماعية ونفسية…

د الوضع المشترك بين المتخاطبين:

ويتمثل في أن ينطلق طرفا الخطاب من الوضاع نفسها، فهناك علقات وثيقة بينهما ويمكن أن تراعى في

تحليل الخطب الشهاري واتخاذها سمات علمات تجمع بين مرسل الخطاب ومتلقيه وهي:

وحدة اللغة: فالشهاري يستثمر في خطابه الكلمات والجمل التي يعبر بها مجتمعه عن أغراضه المختلفة.

وحدة الثقافة: أي التراث الثقافي المشترك والعقيدة الفكرية العامة المشتركة

وحدة البداهة: أي مجموع الفكار والمعتقدات وأحكام القيمة التي يفرزها الوسط فيتقبلها كأمور بديهية ل

La fonction تحتمل التبرير أو الستدلل وعن هذا العنصر تتولد الوظيفة ما وراء لسانية

. mètalinguistique

ه قناة التبليغ:

وهي الوسيلة المستعملة في إيصال الحديث سواء أكانت صوتية أو وسيلة أخرى، وفي الخطاب الشهاري،

إما أن تكون وسائل مكتوبة مثل الجرائد والمطبوعات والملصقات… أو تكون سمعية بواسطة الراديو مثل…

أو بواسطة التلفاز… الخ. أو بوسائل وعلمات أخرى بحسب ما تقتضي الظروف وتستدعي الضرورة، وهنا

وذلك أن الشهار يعمل على أن يثير ردود أفعال ؛ La fonction fatique تتحقق الوظيفة النتباهية

الملتقي وانتباهه نحو الموضوع.

ول بد من الشارة إلى أن هذه العناصر والوظائف الناتجة عنها مترابطة ببعضها وما التفريق بهذه الطريقة

إل تسهيل الدراك والفهم.

4 المقاربات المنهجية في تحليل الخطاب الشهاري:

منهجية لتحليل الخطاب الشهاري، وهي متداخلة ببعضها ول يخلو منها approches توجد عدة مقاربات

أي خطاب إشهاري فيما أرى وهي:

أ المقاربة اللسانية:

وهي البوابة التي ندخل من خللها عالم الشهار، إذ ل يوجد إشهار من دون لغة منطوقة أو مكتوبة بحسب ما

تقتضيه الصورة الشهارية في ثباتها وسكونها أو في حركاتها ونموها وتغيرها. وتكتسي هذه المقاربة

المنهجية النطلق من النظام أو النسق اللساني فيبحث في مستوياته الصوتية والصرفية والمعجمية

والتركيبية والدللت الناتجة عن هذه المستويات كلها.

« إل أن أهمية النسق اللساني تبقى رغم ذلك قاصرة أمام بلغة الصورة وأوليتها المتفاعلة المؤثرة؛ فهي ذات

التأثير في نفس المتلقي، كما تستوقف المشاهد لتثير فيه الرغبة والستجابة. »

ب المقاربة النفسية:

وتكتسب أهميتها القصوى في كون الخطاب الشهاري يركز أكثر ما يركز على المتلقي فيعمل على إغوائه

واستدراجه بأن يتسلط على الحساسية المتأثرة لديه ويهيمن على أفق انتظاره فيجعله ل يرى شيئا غيره،

فهو المناسب وهو الجمل والحلى والبهى وهو الجديد الذي لم يصنع من قبل بل صنع لجل المتلقي دون

غيره…

ج المقاربة التداولية:

وتتمثل في كون الخطاب الشهاري يهدف إلى تحقيق منفعة أو ربح أو فائدة ول يكتفي بتبليغ الخطاب فقط

وإنما يحرص على أن يلبس خطابه أجمل حلة ويتزيّا بأحلى الزياء ويتأنق ويتألق من أجل تحقيق المبتغى.

ويبرز ذلك في لغته المكثفة وجمله المختصرة وكلماته المشعة البراقة التي تتوجه نحو المستقبل فهو الذي

يعنيها أكثر من غيره ول تتوجه نحو الماضي إل بما يخدم مصلحة الشهاري ويتعلق بمستقبل المتلقي.

د المقاربة الجتماعية الثقافية:

تحمل رؤى المجتمع المختلفة وثقافته، إذ يعد الشهار إنتاجا لغوياً اجتماعياً يبرز العلقات الجتماعية

المختلفة )سياسية ثقافية اقتصادية واجتماعية( وتعد العلمات والسمات المختلفة التي تميز الشهار مرآة

تعكس ما يجري في المجتمع من أحداث وتفاعلت سلباً أو إيجاباً يحاول الشهاري تأكيدها أو القناع بها أو

تعريتها وكشفها أمام الجماهير، فتزعم أن الشهار يُمكننا من معرفة « بنية الوعي الجتماعي، إلى جانب شرح

العناصر المكونة له وتحليل الروابط المتبادلة ودراسة قوانين تطوره ».

فعندما نتأمل الخطاب الشهاري الجزائري مثلً، في سنوات السبعينات والثمانينات نجده خطاباً فقيراً ضحلً

ل يثير انتباه المتلقي بقدر ما يثير تقززه ونفوره، ثمَّ إنه ل يخرج عن كونه خطاباً بليداً أحادي النظرة يتعلق

باليديولوجيا السائدة آنذاك، وهو باختصار خطاب ل يثير النتباه.

أمَّا الناظر إليه في المنتصف الثاني من التسعينات إلى 2004 فيجده قد تحسن كثيراً جداً من حيث لغته

وأسلوبه ووسائل إنتاجه وطرائق تعبيره وموضوعاته؛ لنَّ بنية الوعي الجتماعي وأشكاله في الجزائر قد

تغيرت هي الخرى وهو مرآتها العاكسة في زمانها ومكانها.

ه المقاربة السيميائية:

وهي أهم المقاربات وأنسبها لتحليل الخطاب الشهاري إلى جانب المقاربة التداولية، لنها تجمع بين الصوت

والصورة والموسيقى والحركة والداء واللون والشارة واليقونة والرمز واللغة والديكور. الشيء الذي

يجعلنا نقول إن الخطاب الشهاري، وخصوصاً السمعي البصري، عبارة عن ميكروفيلم كما سبقت الشارة،

أي فيلم قصير جداً يقوم بإنجازه وتأثيثه أعوان كثيرون من مهندسين في اختصاصات مختلفة. ثمَّ إننا نزعم

أن المقاربة السيميائية تشمل كل المقاربات السابقة وخصوصاً التداولية منها.

تتفرع السيمياء إلى فرعين كبيرين هما: سيمياء التبليغ وسيمياء الدللة ولها اتجاهات كثيرة منها: التجاه

و »روسي لندي » والتجاه الروسي الذي يشمل  » Umberto Eco اليطالي الذي يتزعمه « أمبرتو إيكو

الشكلنية الروسية ومدرسة تارتو والتجاه الفرنسي بمختلف تفرعاته، والتجاه المريكي بزعامة » بيرس

وهو المؤسس الحقيقي للفكر السيميائي الغربي الحديث في نظر بعض  » C.S. Peirce ) )شارل سندرس

الدارسين.

تتأسس النظرية السيميائية على عدة عناصر عند بيرس، وهي التطورية الواقعية والبراغماتية وانسجاماً

التي تعنى بدراسة ما يظهر، phanèroscopie مع هذه العناصر يؤسس بيرس فلسفته على الظاهراتية

وهو بهذا يوسع من نطاق العلمة لتشمل اللغة وغيرها من النظمة التبليغية غير اللغوية، فكل ما في الكون

وتعد جزءاً من علم Sèmiotique بالنسبة لبيرس علمة قابلة للدراسة وهي بذلك تندرج ضمن السيميوتيقا

المنطق خلفاً لسوسير الذي ركز اهتمامه على العلمة اللغوية وهي تندرج في إطار السيميولوجيا

. Sèmiologie

ولهذا يعد منظور بيرس النسب والصلح لدراسة الخطابات البصرية ومنها الشهار؛ فلقد عملت الثورة

وإعادة إنتاج الواقع على قلب تاريخ التمثيل البصري التقليدي… reprèsentaion التقنية في مجال تمثيل

فمن جانب سوف تحتكر الصورة الفوتوغرافية مجموعة مجالت التعبير التي كانت من نصيب الفنون

إلى غير ذلك، ومن جانب آخر ستعمل Portraits التشكيلية من مثل رسم الطبيعة والصور الشخصية

السينما والتلفزيون على تطوير استعمال الطرائق الفوتوغرافية وبخاصة فيما يتعلق بتمثيل الوقائع

الذي كان مقتصرا على المسرح. spectacle والمشاهد المتحركة موسعة بذلك من مفهوم الفرجة العرض

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

18-10-2008

الطفل الغائب في السينما المغربية

                  ملاحظات أولية 

استهلال: 

يعتبر موضوع الطفل والطفولة من التيمات المسكوت عنها في السينما المغربية، شأنها في ذلك شأن مجموعة من التيمات الأخرى، ودلك لمجموعة من الأسباب تعود إلى ما يلي: 

- يتطلب التعامل مع موضوع الطفل الإلمام بأهم الميكانيزمات النفسية المحيطة بالموضوع ولاسيما علم نفس الطفل… 

- الإطلاع على أهم مرتكزات التنشئة الاجتماعية للطفولة المغربية خاصة وأن مشاربها متعددة ومتأرجحة بين ماهو تقليدي وماهو عصري… 

- التسلح بالمناهج البيداغوجية الحديثة والانفتاح على النظريات التربوية التي تخدم معالجة مواضيع الطفولة… 

- إن معالجة موضوع الطفل يتطلب أيضا مجهودا كبيرا على مستوى المعالجة الفنية/التقنية، فكتابة سيناريو يكون بطله طفلا بالنسبة لكاتب سيناريو لا يتوفر على ثقافة سيكولوجية وسوسيولوجية وتربوية…؛ كما أن المخرج الذي سيدير طفلا تكون مهمته أعقد وأصعب، فإدارة الممثل المحترف تحتاج إلى إعداد فني وسيكولوجي عال وحذق؛ فما بالك بتهييء طفل -ربما- سيقف لأول مرة أمام الكاميرا ويتحمل عناء تجسيد دور لم يعشه من قبل، وليست لديه تمثلات حوله… إن المخرج في هذه الحالة مطالب بترسيخ ملامح الدور المنوط بالطفل وتدريبه عليه قبل بدأ التصوير… إن المخرج الموهوب هو الذي يستطيع ركوب صهوة مغامرة فنية من هذا النوع… 

عالجت مجموعة من الأفلام الروائية المغربية الطويلة موضوع الطفولة بشكل جزئي أو عابر، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: 

من الواد لهيه، عرائس من قصب، شاطيء الأطفال الضائعين، مبروك، البحث عن زوج امراتي، علي ربيعة والآخرون، العيون الجافة، ياقوت… ولم يهتم -في حدود ما شاهدت- بموضوع الطفولة إلا فيلمي: « علي زاوا » و « ألف شهر ». أما فيما يتعلق بالأفلام القصيرة فقد أثارت الانتباه لظواهر متميزة نذكر منها: موزع الجرائد، على جناح السلامة، العرض (L’exposée) … 

إن الطفل المغربي في الفيلموغرافيا المغربية بصفة عامة غالبا ما يتم التعامل معه كموضوع عارض ومؤثث للسرد الفيلمي أو كـ »اكسسوار بشري » ساذج يرافق الممثلين الآخرين، أو كجوقة لا تتقن إلا الضجيج والشغب… أما من ناحية الانتماء الطبقي، فالنماذج التي تقدم لنا السينما المغربية هي نماذج منحدرة من أصول فقيرة أو غنية دون الالتفات إلى الطبقات الاجتماعية الأخرى، كما أنها تركز على الطفل الذي يقطن بالمدن وخاصة الكبرى منها دون التعرض للطفل القروي راهنا، فهدا الطفل يعاني تهميشا لا مثيل له في الصورة السينمائية المغربية عامة، انه كائن مجهول كالقرية نفسها… إذا، كيف تقدم لنا السينما المغربية الطفل المغربي؟ أو ما هي ملامح شخصية الطفل المغربي من خلال السينما المغربية؟ 

  

 على المستوى السوسيولوجي 

يظهر الطفل في هده الفيلموغرافيا بأنه شيء تابت، يتقبل كل التعاليم التي يمليها عليه المجتمع دون تفكير، ويتأثر بما يجري في محيطه دون تأثير… هكذا تتساوى مؤهلات الأطفال جميعا في مجتمع يخضع له الجميع، وبالتالي يتم التعامل معه كموضوع تجريدي يتميز ببراءة وطهرانية لا مثيل لهما… حيث نجد أن أولياء أمره يأخذونه إلى نفس الأماكن التي يرتادونها تقريبا دون التفكير في احتياجاته الخاصة، فالأفلام المغربية تكاد تخلو من ارتياد رياض الأطفال، أو الأماكن المخصصة للعبهم وكأن فضاءات الكبار هي عينها فضاءات الصغار، كما لا تقدمها بطريقة تساهم في تكوينهم بل تجعلها مكانا للتوتر والعنف، وهدا الأمر يقودنا إلى القول بأن الكبار ينتجون نفس السلوكات الاجتماعية التي مورست عليهم من قبل دون وعي. كما أن بعض الأفلام تكرس العنف الذي يمارسه المجتمع على الأفراد، وتحاول أن تقدمه كما هو من خلال صراع الأقران أو أبناء الدرب أو الإخوة… الشيء الذي يذكي روح الأحقاد الاجتماعية، فالمخرجون    وكتاب السيناريو يوظفون الطفل كوسيلة طيعة لانتقاد المجتمع، وهذا التوظيف لا يخلو من ديماغوجية مفضوحة لأنهم لا يستطيعون التكلم عن بعض الأشياء بصراحة، فيرون بأن الطفل هو الحامل الأكثر رمزية للتعبير عن دلك لاسيما إذا كان الطفل بريئا أو محروما أو في أحط حالاته ضعفا. فالطفل دائما يعاني من الفقر أو القهر في الكتاب أو المدرسة، ويفتقد إلى العناية الصحية اللازمة، أو يشتغل في ظروف مأساوية أو يخضع لهرمية غير ديمقراطية في علاقاته الأسرية التي يسيطر فيها الذكر (الأب أو الأخ الأكبر) وهو الشيء الذي تكرسه الصورة دائما، فغالبا ما نجد أن الأم هي اللصيقة بالابن، وأن العلاقة بالأقران تكون غير سوية سواء على مستوى تكوين الصداقات أو تبادل الخبرات… إن الطفل يصبح وسط هذه العلاقات اللامتكافئة عرضة للسيطرة ولا يحس بالأمن، مما يجعله مضطهدا ومقموعا، الشيء الذي ينعكس سلبا على شخصيته التي تبقى منطوية وغير حوارية ولا تستطيع تفجير طاقاتها الداخلية بوجه سليم…    

على المستوى البيولوجي: 

نستطيع منذ الوهلة الأولى أن نكشف بأن حضور الطفل الذكر في السينما المغربية حضور طاغ، وهذه نتيجة منطقية للسيطرة الذكورية وسيادة النموذج البطريريكي في المجتمع المغربي؛ إن حضور الطفلة يكاد يكون نادرا لما يسود المجتمع من تمثلات سلبية لحق البنت في الاختلاط المبكر مع الأطفال الذكور، وتأثير الأم في ابنتها في المراحل الأولى من حياتها، وأيضا إلى حداثة الوعي الأنثوي لدى الرجل والمرأة في المغرب على السواء، وكون هذا الوعي هو مطمح فكري وثقافي أكثر مما هو مطمح مجتمعي. إن هذه الرؤية لها جذور تاريخية في المجتمع المغربي خاصة والمجتمع العربي عامة، وترتبط أساسا بظروف الصراع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. أما على مستوى العلاقات فنجد أن الطفل يكون لصيقا بالأب، وبالبيت لصيقا بالأم، الشيء الذي يظهر مجال كل واحد منهما، ويبين توزيع السلط أيضا: الأب رمز الضبط والسلطة بينما الأم رمز للتسامح والتستر على زلات الطفل… نشير أيضا إلى أن الأفلام المغربية تقدم لنا الطفل الجميل،  ذي الملامح الجذابة، والأعضاء الكاملة، ولا تنتبه إلى الطفولة المعاقة في المغرب، وكأنها غير موجودة اللهم إذا استثنينا بعض الصور الخجولة في الأفلام القصيرة أو الطويلة، والتي تختلف تصوراته من فيلم إلى آخر حسب الموضوع وحسب الطبقة المستهدفة… فإذا كان الطفل ينتمي إلى وسط اجتماعي فقير فإن ملامحه الجسمانية تطغى عليها الخدوش على مستوى الوجه، وتظهر أظافره طويلة ومتسخة، وشعره أشعث… أما إذا كان ينحدر من وسط اجتماعي غني فان ملامح الصفاء والجمال تكون لصيقة به… وهذه _للأسف_ صورة نمطية مكرسة عندنا ولا تخلو من إيديولوجية ظاهرة، وتفتقد في عمقها إلى السند العلمي والمعرفي الذي يبررها، ويبعد أصحابها من عدم السقوط في التعميم عبر الانطلاق من الحالات الخاصة…   

على المستوى النفسي: 

نلاحظ في السينما المغربية ضعف الوعي النفسي لدى المخرجين وكتاب السيناريو المغاربة في تعاملهم مع الكبار، أما بالنسبة لمن يمتلك نوعا من هذه الآليات لا يستطيع استعمالها بشكل يراعي الفوارق بين الكبار، والصغار وبين الأطفال نفسهم: إن طفل القرية هو طفل المدينة، وطفل السنة السابعة هو الرضيع، وابن الموظف هو ابن العامل، والقاطن بالحي الشعبي هو ابن الڤيلا… إن هذه الرؤية تختزل الطفل المغربي وتجعله متساويا من حيث قدراته الذكائية، وميولاته النفسية، وتخضعه لنفس الميكانيزمات من حيث النمو العقلي والعاطفي والجسماني، كما ترى بأن حاجياته واحدة مهما كان وسطه…وهكذا نرى بأن الطفل في السينما المغربية يعتمد أكثر على غريزته ذات التوجه الاندفاعي الخالي من أي توجيه كيفما كان نوعه، فهدفه الأساسي هو إرضاء فضوله في الاكتشاف أو إشباع غرائزه الطبيعية (تخريب الأشياء العمومية، تدمير الأشجار…) أو تجاه الحيوان (الاعتداء على الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب، أو الحيوانات الأخرى كالنمل…) أو تجاه المجتمع ( السرقة…). إن هذه الرؤية تختزل الطفل المغربي ككائن يفتقد إلى الرعاية النفسية الضرورية كنتيجة منطقية لعدم إشباع حاجياته الضرورية في الواقع؛ إن التنشئة الاجتماعية للطفل المغربي تجعله يتأثر بالظروف المختلة في الشارع والمدرسة والبيت… وهي مؤشرات لها دلالتها على مستوى نموه الطبيعي المتأثر أيضا بالوضعية الاقتصادية والأمن الغذائي والتأمين الصحي… نشير أيضا إلى قضية أساسية في الفيلم المغربي لم يتعامل معها المخرجون وكتاب السيناريو بشكل عقلاني: إن للعب أهمية قصوى في حياة الأطفال، وهو الشيء الذي يقدمه هؤلاء بشكل عفوي وعبر لقطات خالية من الدلالة وغير ذات أهمية في السرد الفيلمي ككل، فالطفل يلعب بشكل حركي غير منظم، أو بشكل عنيف… وغالبا ما يتم تقديم ذلك في أماكن عشوائية تخدم حبكة الفيلم أكثر ما تفكر في دور الإطار ( le cadre ) النفسي في الحكي… 

إن السينما المغربية لا تهتم بجانب الخيال عند الطفل المغربي، رغم أن السينما تشغل الخيال كمكون أساسي في الخطاب، فعندما نذكر الخيال نستدعي مباشرة الإبداع والحلم والتأمل… وهي ميكانيزمات نفسية وفكرية لا تهتم بها الصورة السينمائية المغربية، لأنها صورة تنبني على معطيات الواقع المحسوس، وغارقة في الوصف أكثر من الاشتغال على التأمل والخيال… 

  

على المستوى البيداغوجي: 

انطلاقا مما سبق نستشف أن الطفل المغربي خاضع للمعطيات السوسيولوجية والنفسية والاقتصادية والأسرية والسياسية والثقافية… التي ينتجها الواقع المغربي، وهي وضعية تنم عن سيادة التفاوت الطبقي والتخلف الاقتصادي وغياب الوعي بقضايا الطفولة الذي يختلف حسب الجنس والدخل الفردي ويرتبط بالوسط والسكن وغيره… إن هذه المعطيات تنعكس على مستوى التمثلات لدى صانعي الصورة السينمائية المغربية، حيث يظهر أنهم يكرسون الوضعية القائمة، وينقلون الجاهز منها دون الوعي بخطورته التربوية، أو توجيه الانتقاد إلى المؤسسات التربوية كالمدرسة والأسرة… مع عدم تسليط الضوء على مشاكل المؤسسة المدرسية بجميع مراحلها، فلحد الآن لازلنا لم نشاهد فيلما واحدا يخصص موضوعه للمدرسة فقط. 

إن المشكل المطروح على المتن الفيلمي المغربي هو: هل يمكن أن يتم أمام هذا الوضع المأزوم تربويا الاستعانة بالوثيقة السمعية البصرية كمادة للاشتغال الديداكتيكي؟ وما هو دور الباحث التربوي في هذا المجال؟ هل يتم اللجوء دائما إلى المادة الأجنبية مع ما تحمله بين طياتها من سلبيات؟ أم أننا نستعين بالفيلم المغربي على علاته في إطار المشروع الوطني الحالم بمغربة التعليم؟ 

إن الفيلم المغربي يهتم بالطفل في مراحله الأولى حيث يقدمه وهو يخضع للعناية المركزة سواء داخل المستشفيات أثناء الولادة، أو من طرف الأبوين _ولاسيما الأم_ في البيت، كما يعرض أيضا لبعض المظاهر المرتبطة بالعناية به وهو لازال جنينا خاصة على مستوى عرض بعض المسائل المتعلقة بالوقاية من السحر والعين وزيارة الأضرحة، وهذه العملية تمتد أيضا إلى ما بعد الولادة ولاسيما أثناء الختان مثلا… إن ما يتم تصويره على هذا المستوى بشكل مباشر لا يراعي في الحقيقة أدنى شروط التناول التربوي السليم، بل يكرسه ويرقى به إلى صف الممارسة العادية مع عدم احتساب العواقب. إن هذه الممارسات والطقوس يتم التقاطها وسط عالم مشحون بالغيبيات والميثولوجيات، الشيء الذي يتبث النظرة التقليدية للأشياء في ذهن الطفل… وهذا ما يفسر تأرجحه عندما يكبر بين العقلانية والخرافة، وهو ما لا تكاد المدرسة أن تمحو آثاره، ولا الأسرة أن تتجاوز تناقضاته أو تجيب عن تساؤلاته الحارقة. إن السينما المغربية لا تبحث بشكل تربوي في أهم قضايا الطفل المغربي المتعلقة بعلاقته بأسرته (الأب، الأم، الإخوة…) أو في قضايا العنف الموجه ضده بكل أشكاله، وفي كافة الأماكن التي يرتادها الطفل، ومن خلال جميع القنوات التي ينفتح عليها (التلفزيون، الشارع، المدرسة…). إن المشكل الأخطر في نظري لا يتجلى في الصورة السلبية للطفل المغربي في السينما الوطنية فحسب، وإنما يكمن في الخطر الذي يتهدد زميله الذي هو خارج إطار الصورة، أي الذي يستقبل الصورة: صورته هو، ثم الصورة التي تأتيه من الخارج إذا ما علمنا بأن البيت المغربي هو بؤرة مشرعة لكافة الصور العالمية، فضلا عن كون الجهاز المستقبل يتحكم به الكبار لا الصغار! كيف يتأقلم هذا الطفل الذي يتعرض يوميا لسيل من الصور العابرة للقارات مع محيطه الذي لا ينتج صورا كافية لإشباع غريزته البصرية؟ كيف سيواجه الطفل المغربي في زمن العولمة والتبادل الحر الإشكالات التي يطرحها عليه العصر الذي نحياه في غياب استراتيجية تربوية واضحة لمعالجة هذا الأمر داخل المدرسة المغربية التي لا تستعمل الوسائل السمعية البصرية كأداة تعليمية، ولا تدرس مادة السمعي البصري كتخصص علمي؟ ألا يؤثر هذا الاستقبال المنفتح على صورة الطفل الآخر على تمثلات الطفل المغربي لنفسه وللعالم؟ إننا نخاف أن يصبح الطفل مستلبا في كل شيء نتيجة غياب الوعي البصري… تلك أسئلة حارقة تؤلمنا، ونريد أن نفتح عليها مسارات البحث البيداغوجي المغربي عله ينتبه إليها. 

  

على المستوى التقني: 

إن الطريقة التقنية التي يتم تقديم الطفل المغربي عبرها داخل إطار الصورة السينمائية المغربية تزيد من تأزيم الوضعية ككل، فالطفل يكون دائما مع الكبار في إطار لقطات عامة دون التقاطه بشكل منفرد له فاعليته في إطار الصورة؛ كما أن اللقطات المكبرة لا تهتم إلا بالبطل… إضافة إلى ذلك فالكاميرا لا توضع بطريقة تتناسب وقامته، بل تلتقطه بشكل فوقي، الشيء الذي يجعله دونيا، وتكون رؤيتنا إليه فوقية: « يجب أن ننزل إلى مستواه »… أما على مستوى إدارته الفنية، فلا ترقى إلى مستوى النفاذ إلى شخص الطفل الذي يميل أكثر إلى العفوية مما يتعارض مع رغبة المخرج في ضبط وتقنين حركاته وتحركاته بنفس الطريقة التي يسير بها الكبار…   

مخرج تأملي: 

نود في الأخير أن نختم هذه الورقة بقول للباحث السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، لأنها تفتح أعين المتأمل على كوات فكرية جادة: « إن منتج « قيمة العمل الفني » ليس الفنان، ولكن مجال الإنتاج بوصفه عالما من الإيمان ينتج قيمة العمل الفني باعتبارها صنما (…) وعند التسليم بأن العمل الفني لا يوجد بوصفه موضوعا رمزيا مزودا بالقيمة إلا إذا كان معروفا ومعترفا به، أي قد تأسس اجتماعيا باعتباره عملا فنيا بواسطة متلقين مزودين بالاستعداد الجمالي وبالقدرة الجمالية الضرورية لمعرفته والاعتراف به بوصفه كذلك ». 

في انتظار أن نؤمن بقيمة الطفل داخل المجتمع، لتتحول بالتالي إلى قيمة فنية لها شفراتها ورموزها الدالة… لا يسعنا إلا أن نملك استعدادا جماليا للاعتراف بقدراته الإبداعية والخيالية.   

مكتبة البحث: 

- بيير بورديو، قواعد الفن، ترجمة: إبراهيم فتحي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 1998. 

- أحمد أوزي، الطفل والعلاقات الأسرية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2002. 

- محمد جسوس، رهانات الفكر السوسيولوجي في المغرب، منشورات وزارة الثقافة، الطبعة الأولى، الرباط، 2003. 

- أحمد أوزي، الطفل والمجتمع، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1988. 

- Youssef Ait HAMMOU, Audiovisuel et enseignement-apprentissage des langues: le français, langue étrangère, 1ėre édition: Marrakech, 2001. 

- Debray, R. Vie et mort de l’image, Gallimard, Paris, 1992. 

  

  

     

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

18-10-2008

الخطاب الإشهاري بين التقرير والإيحاء

  

الخطاب الإشهاري بين التقرير والإيحاء 

عمراني المصطفى 

هكذا يتبين من خلال تحليلنا للإرسالية الإشهارية على المستويين التقريري والإيحائي- أن « ضبط آليات التدليل داخل عالم الصورة [] هو خطوة جبارة نحو ضبط آليات التناسل الإيديولوجي في رحم الصورة، تناسـل يقـود إلى التطبيـع وإلى التكريس وإلى التبريـر«  

يقول بارت R.Barthes: « إن تطور الإشهار والصحافة الكبيرة، وتطور الراديو وفن الديكور دون أن نتعرض لبقايا عدد لا نهائي من الطقوس التواصلية، وهي طقوس المظهر الاجتماعي، يجعل تشكيل علم سيميائي مهمة أكثر استعجالا من ذي قبل« . 

لا جدال أن الخطاب الإشهاري يعد من الخطابات « التي تندرج ضمن الممارسة الثقافية كالخطاب الأدبي أو السينمائي أو البصري، فهو يؤثث فضاءات اليومي، ويستهلك إلى جانب الخطابات الأخرى. فإلى جانب بعده الاقتصادي-الاجتماعي المرتبط بالدعاية التجارية، يكتسي هذا الخطاب طابعا ثقافيا يتمثل في مكوناته اللغوية والأيقونية« . 

من هنا، فإن الحديث عن الخطاب الإشهاري يفرض التمييز بين قطبين أساسيين متباينين ومتكاملين في الآن نفسه، ويتمثلان في البعد السوسيو-اقتصادي الذي يوجد خارج الخطاب؛ والبعد الخطابي بصفته نسيجا تتشابك فيه مجموعة من العلامات وفق قواعد تركيبية ودلالية. فالمسار السوسيو-اقتصادي يمثل الإطار العام الذي تمارس داخله عملية الإشهار. و« يعطي الخطاب الإشهاري لنفسه كمهمة الإخبار عن خصائص ومميزات هذا المنتوج أو ذاك بهدف الدفع بالمتلقي إلى القيام بفعل الشراء. هذه الوظيفة « الموضوعية » تبقى وظيفته المبدئية« . 

وتتحكم في تكوين المسار السوسيو-اقتصادي ثلاثة عناصر

ـ الإشهاري Le publiciste، يكون المنتوج عنده بمثابة نقطة الانطلاق لصياغة الإرسالية الإشهارية، [ويمثل] المتلقي إزاءها [الإرسالية] فاعلا إجرائيا محتملا

ـ المستهلك Le consommateur: الفاعل الإجرائي المحتمل الذي يتحول إلى فاعل إجرائي حقيقي في حالة إقدامه على اقتناء المادة موضوع الإعلان

ـ المنتوج Le produit هو موضوع التبادل بين المنتج والمستهلك

أما المستوى الثاني، فهو مستوى الخطاب الذي « يفترض وجود قائل ينجز مجموعة أقوال، ومتلق [] يستقبل أساسا خطابا له مجموعة من المكونات والخصائص التي تجعل منه قارئا ومؤولا لهذا الخطاب« . 

ويتكون الخطاب الإشهاري من نسقين دلاليين أساسيين: النسق اللساني، والنسق الأيقوني البصري. أما النسق اللساني فتكمن أهميته بالنسبة للنسق الأيقوني، من حيث كونه يوجه القارئ نحو قراءة محددة، ويربط بين مختلف مقاطع النسق الأيقوني، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصورة ثابتة

إلا أن أهمية النسق اللساني تبقى رغم ذلك قاصرة أمام بلاغة الصورة وإوالياتها المتفاعلة والمؤثرة، فهي ذات التأثير في نفس المتلقي، كما تستوقف المشاهد لتثير فيه الرغبة والاستجابة، وبلغة التجربة البافلوفية (نسبة إلى بافلوف) « أمام لعاب يسيل لمجرد سماع صوت الناقوس« . 

ويكتسي النسق الأيقوني هذه الأهمية نظرا لوظائفه المتعددة، التي يمكن اختزالها في النقاط الآتية

ـ أولا، الوظيفة الجمالية: ترمي إلى إثارة الذوق قصد اقتراح البضاعة

ثانيا، الوظيفة التوجيهية: الصورة فضاء مفتوح على كل التأويلات، لهذا تكون مرفوقة في أغلب الأحيان بتعليق لغوي قد يطول أو يقصر. وفي هذا الإطار تحيلنا الصورة على قراءة النص الذي يثبت فيه الداعي أفكاره وحججه

ثالثا، الوظيفة التمثيلية: تقدم لنا الأشياء والأشخاص في أبعادها وأشكالها بدقة تامة، الشيء الذي تعجز عنه اللغة، في كثير من الأحيان، أي أنها تبقى المرجع الأول والأخير الذي يجد فيه النص تجسيده وتقويمه، إذ أن المشاهد يغدو ويروح بين النص والصورة، ليظل باله معلقا بهذه الأخيرة

رابعا، الوظيفة الإيحائية: الصورة تعبير يغازل الوجدان، ويغذي الأحلام، لأنها عالم مفتوح على مصراعيه لكل التأويلات والتصورات، وهي تحاور اللاوعي وتوحي بمشاعر تختلف في طبيعتها من مشاهد إلى آخر

خامسا، الوظيفة الدلالية: إن الوظائف الأربعة الأولى تتضافر لخلق عالم دلالي معين، وهذه الدلالة تأتي نتيجة التفكير والتأمل الذي أسسته الصورة لدى المشاهد

وداخل هذين النسقين اللساني والأيقوني، تتمظهر مجموعة من الآليات الفاعلة داخل نسيج الخطاب الإشهاري، والتي تشكل استراتيجية أساسية مشابهة لاستراتيجية المحارب، حيث تتغيى إفشال الطاقة النقدية لدى المتلقي/المشاهد، عبر استمالته لفعل الشراء. ومن بين الآليات والميكانيزمات المعتمدة في ذلك « آليات الإقناع المنطقي » وبعض الآليات الأخرى التي تستند إلى العلامات والرموز والصور التي تجد مرجعيتها في المتخيل العام للمجتمع: فإذا كان إشهار « تايد أرييل Tide Ariel » يتوسل الإقناع المنطقي من خلال إخضاع المنتوج المرغوب ترويجه إلى تجارب دقيقة تجعل منه مادة فريدة من نوعها، فإن إشهار سنطرال، حليب الأطفال » يعتمد الرمز لخلق التميز عند الفرد، ويلحقه بفئة تمثل المرجعية على المستوى الاجتماعي« . ونتيجة لذلك تصبح البضاعة قنطرة على كل من يرغب في التحاق بصف الأبطال، وبالتالي الاندماج مع فئة نموذجية. وهذا ما نلاحظه أيضا بشكل جلي في الإرساليات الإشهارية التي توهم المتلقي أن بإمكانه التميز عن غيره في حالة استعمال هذا المنتوج دون غيره: كنوع السيارات، أو الصابون، أو مساحيق التجميل(*).. 

ويعمد الخطاب الإشهاري، إضافة إلى هذه الآليات المعتمدة، إلى شخصنة الشيء، بأن يضفي عليه طابعا إنسانيا (إشهار رونو(5) مثلا: « أنا رونو خمسة« ). والتشخيص « مفهوم إيديولوجي أساسي لمجتمع يهدف من وراء تشخيص الأشياء والمعتقدات إدماج الفرد في نمط اجتماعي معين« . 

ومن خدع آليات الإشهار كذلك محاولته الظهور بمظهر البراءة، وبمظهر الصديق الذي لا يحركه هاجس المنفعة (الجانب الاقتصادي)، وإنما هدفه تقديم مساعدات وخدمات. لذا غالبا ما يلجأ الإشهاري إلى المطابقة بين المرسل والمرسل إليه بتوظيف لعبة الضمائر: (من شيمنا كرم الضيافة، فلنتشبث بكرمنا؛ مع رونو نشعر بالأمان..). 

وتلعب الصور البلاغية، كانزياحات عن تعبيرية متعارف عليها، دورا مهما في آفتان المتلقي، مما جعل رولان بارت يحدد البلاغة كإيحاء. « فالخطاب الإشهاري –حسب بارت- يتميز بالازدواجية التي يكون فيها التقرير الأول بكليته، على المستوى اللساني، بمثابة الدال بالنسبة للخطاب الثاني الإيحائي الذي يحيل على المدلول: جودة البضاعة، والذي يحفز المستهلك على الشراء« . 

لكن السؤال المطروح: لماذا لا يقتصر الإشهاري على الدعوة مباشرة إلى اقتناء منتوج معين، ببساطة؟ لأن المستوى الأول (التقريري) يعتمد في بنيته فقط على الإخبار عن المنتوج، وعن صفاته التقنية، ومدى جودته. هذه المقومات، وإن كان لها دورها الأساسي في عملية الإقناع بالتدليل على أهمية المنتوج، تبقى قاصرة على إقناع المرسل إليه

من هنا، تفرض مسألة الإيحاء نفسها، بحيث إن الحديث عن البلاغة الإشهارية هو إلى حد بعيد حديث عن الإيحاء: الذي يعني حضور وإدماج الذاكرة السياقية في سيرورة الدلالة

فنجاح إرسالية معينة رهين بكثافة الشحنات التي تحملها، وصورها الشاعرية الإيحائية، بحيث « تكتسي لباسا أنيقا من المعاني، وتنتقل من طبيعة مادية إلى عالم من القيم والدلالات بفضل تلك الهالة التي يضفيها عليها الإشهاري، لأنه يعرف مواطن الإغراء و« الاغترار » لدى الزبناء« ، فيستعمل لذلك الاستعارة، والتشبيه المناسب، والكناية الموفقة، والأسلوب الغنائي الذي يلتزم السهولة والعذوبة، علاوة على مكونات بلاغية أخرى (بلاغة الصورة الحية، بلاغة الجسد، بلاغة الحركة، بلاغة الصوت المشكل، بلاغة الموسيقى، بلاغة الفضاء…الخ). فكل مقوم من هذه المقومات الإيحائية ببنيته الداخلية، أو في علاقته بالمقومات الأخرى، يلعب دورا مهما في تكوين وخلق صور اصطناعية، تتراءى للمتلقي باعتبارها أشياء طبيعية. من هنا يتجاوز الخطاب الإشهاري عبر آلياته المعتمدة « فعل الشراء إلى احتضان وتمثل اجتماعي لمقولات وتصورات ومسكوكات [] تتم صياغته في أشكال بلاغية سحرية، ويقدم على أنه الواقع والحقيقة« . 

انطلاقا من هذه الاعتبارات المشار إليها، تكمن خطورة الخطاب الإشهاري كحقل غني بإيحاءاته وأساليبه وانزياحاته في استحواذه على اهتمام معظم الفئات الاجتماعية في عصرنا الراهن، إذ يشكل مهد علم الأساطير الحديثة، وبؤرة ثقافية للحياة اليومية، وهو الشيء الذي أكده « روبير كيران » بقوله: « إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأوكسيجين والنيتروجين والإشهار« . 

من هذا المنظور تأتي مشروعية المنهج السيميائي في الكشف عن الأبعاد الإيديولوجية التي تتسرب داخل نسيج داخل نسيج الخطاب الإشهاري، أي « تحديد نمط وجود هذه الإيديولوجيا لا كجهاز مفهومي عام ومجرد، بل باعتبارها سلسلة من السلوكات البسيطة التي تتميز « ببديهيتها« ، لأنها تعد جزءا من إرغامات النشاط اليومي، وهذا ما يجعلها، في غالب الأحيان، تنفلت من الدرس والمراقبة« . 

وبداهتها هاته هي نتاج عملية معقدة تقوم بها الأسطورة. فهي تشبه، إلى حد ما، عملية من عمليات خفة اليد، حيث تقلب الواقع، وتفرغ التاريخ، ثم تملؤها بالطبيعة (Naturalité)، وتسحب من الأشياء معناها الإنساني، بصورة تجعلها تدل على تفاهة إنسانية

وإذا كانت الأسطورة، حسب بارت، أداة رئيسية في يد الطبقة البورجوازية لتكريس سيادتها وإيديولوجيتها، فإن دراستها كنسق سيميائي كفيل بالكشف عن حيل وخدع هذه الطبقة التي تتستر خلف الوجه الطبيعي والبديهي. فما هي إذن الأسطورة؟ وكيف تتبنين؟ 

الأسطورة نسق خاص في كونه ينبني انطلاقا من سلسلة سيميائية موجودة قبله: إنها نسق سيميائي من الدرجة الثانية، يحتوي الأول ويتجاوزه. فالعلاقة الرابطة بين الدال والمدلول في النسق الأول هو ما يشكل المعنى التقريري. إن هذا المعنى الأول لا يتجاوز حدود ما يسميه شارل ساندرس بيرس (CH.S.PIERCE) بالمؤول المباشر، المؤول الذي يعطي نقطة انطلاق الدلالة. ولكي يتم تجاوز هذا المستوى، علينا أن ننتقل إلى نسق سيميائي ثان، يسمى بالإيحاء. وتشكل هذه المقولة أهم أداة اعتمدها بارت في مقاربة ما يسميه بالأسطورة. فالدال الجديد (مجموعة العلامة في النسق الأول) يمكن النظر إليه من زاويتين

أولا، كحد نهائي لنسق لساني

ثانيا، كحد بدئي لنسق أسطوري

فهو كحد نهائي يشكل معنى، معنى التقرير، الذي لا يتطلب سوى الشروط الأولية لعملية الإدراك المباشر القائم على التجربة المشتركة؛ وكحد بدئي سيكون شكلا، وهو كشكل يعد قالبا مفتوحا على مجموعة من الدلالات المتعددة. « إلا أن النقطة الرئيسية في كل هذا تكمن في كون الشكل لا يلغي المعنى، بل يقتصر على إفقاره وإبعاده، ويجعله رهن إشارته [] إن لعبة الاختباء الهامة هذه بين المعنى والشكل هي ما يحدد الأسطورة« . 

بناءا على ما سبق، يمكن القول إن وظيفة الأسطورة –حسب تصور بارت- هو تحويل المعنى إلى شكل، وداخل هذه العملية المعقدة يتم إفراغ البعد التاريخي والثقافي وتطبيعه بما يخدم مصالح الطبقة البورجوازية. ويتحدد مفهوم التطبيع Naturalisation في سيميولوجيا بارت، في تحويل العلامات من طابعها الثقافي (إنتاج يتم داخل التاريخ، أي داخل الزمنية الإنسانية) ومنحها طابعا طبيعيا (علامات توجد خارج الزمنية ولا تتأثر بها). هذا ما يجعلنا نعيش الأسطورة وكأنها كلام بريء. « والواقع أن ما يتيح للقارئ استهلاك الأسطورة استهلاكا بريئا، هو أنه لا يرى فيها نسقا سيميائيا، بل نسقا استقرائيا

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

17-10-2008

« السينمائي – التشكيلي »وسؤال التأويل

تقديم:

  تتمظهر علاقة التشكيلي بالسينمائي من خلال التداخل الحاصل بينهما على المستوى الجمالي والتقني ثم من خلال تبادل الأدوار بينهما عبر التاريخ… فالبعد التشكيلي له حيز مهم داخل إطار الصورة السينمائية ويساهم في التأثير الإستيتيقي بشكل متعدد، والشيء نفسه يمكن الحديث عنه إﻧا قمنا بقراءة معكوسة، خاصة وأن حضور المكون السينمائي في التشكيل قد بدأ يظهر بشكل متزايد في زمن حضارة الصورة الذي نحياه بكل تورط… يمكن تناول البعد التشكيلي للصورة السينمائية من خلال النظريات والاتجاهات السينمائية عبر انفتاحها على النقد الأدبي والسينمائي والسوسيولوجيا والفلسفة وتاريخ الفن… هذه العلاقة المعرفية والجمالية التي تتأكد وتتجلى من خلال أشكال تعبيرية بصرية أخرى كفن الفيديو والتصوير والتلفزيون والإشهار والفن التشكيلي السيبيرنيطيقي أو « الآرت كوم » ((Art’com  في هـذه الورقة سوف نقدم بعض النقط التي نرى بأن التأمل فيها سيجعلنا نؤزم بعض الأسئلة للوقوف على العلاقة الابستيمولوجية بين ما هو سينمائي وماهو تشكيلي… لإبراز قيمة التداخل ـ الذي لا ندعي الإحاطة بكل إشكالياته هنا ـ بل سننفتح على بعض النظريات والتجارب  بغية تأملها. 

الفلسفة والسينما: لسنا في حاجة للدفاع عن علاقة الفلسفة بالسينما، لأن مبحث الجمال من المباحث الأساسية التي قامت عليها الأنساق الفلسفية الكبرى، إضافة لعلاقة الإبداع بالفلسفة، لاسيما ما هو حي منه. كما أن قيمة صورة ما تتحدد بالأفكار التي تبدعها1. يعتبر جيل دولوز من أبرز الفلاسفة الذين درسوا الإبداع السينمائي؛ ترى هل يمكن الحديث عن نظرية فلسفية جمالية في مؤلفات هذا الفيلسوف حول السينما؟ خصص جيل دولوز كتابين هامين للتأمل في بعض القضايا السينمائية، وهما: « سينما I: الصورة – الحركة »، « سينما II: الصورة ­ الزمن »2. كما أن كتابات إيلي فور « Elie Faure« 3 في بداية الثلاثينات قد خصص بعضها للتأمل في بعض القضايا السينمائية، وقدمت تحديا نظريا أبرز التأثير المتبادل بين السينما والفنون التشكيلية تاريخيا. ففي كتابه: « De la cinéplastique » هناك مقاطع هامة تشير إلى العلاقة المتبادلة بين ما هو تشكيلي وماهو سينمائي. 

 إن الفن التشكيلي هو الفن الذي يعبر عن الشكل في سكونه أو حركته؛ كما أن السينمائي ­ البلاستيكي « le cinéplastique« : تركيب متحول، متجدد باستمرار، غير متقطع ودائم التشكل، متلاش، منبعث… أو باختصار: دراما تشكيلية متحركة (Drame plastique en action). نشير أيضا إلى أن القراءة الدولوزية لعلاقة السينمائي بالتشكيلي قد تناولت بجدية الأسئلة المتعلقة بالمنظومة البلورية « Cristallin » (سينما II: الصورة – الزمن؛ ص: 358). إن تأويلات جيل دولوز وإيلي فور التاريخية والفلسفية والجمالية… قد انصبت على رفع البداهة حول نقط الالتقاء والتقاطعات وأيضا التشكلات التي ساهمت في إعطاء رؤية جديدة بلورتها السينما قصد فهم متجدد للفن التشكيلي رغم اختلاف الحمولات الفلسفية؛ وذلك عبر أسلوب واحد متشابه، وعبر مستقبل فلسفي واحد متشابه أيضا، الشيء الذي يفتح الطريق أمام مباهج تشكيلية غير معروفة. 

مشكل السواد:  في البدء كان السواد. لنتأمل جيدا هـذا القول: اللون الأسود ملازم للإنسان في بطن أمه، وعندما يخرج إلى الوجود يرى الضوء. ألا يمكن أن نقول بأن السينما هي ولادة؟ يعتبر السواد مكونا أساسيا في القراءة الأيقونية بصفة عامة، وإن كان يحضى في السينما بخصوصية متميزة لأن الفيلم يبتدئ به ويختتم به. ظهرت اللقطات السوداء في السينما منـذ بدايتها الأولى، واختلفت استعمالاتها أثناء المونتاج، الشيء الـذي يحيل بالضرورة على تأويلات وقراءات سيميولوجية متعددة لها علاقة بالزمان وأيضا بالحمولات الفنية والسيكولوجية. إن علاقة السواد بالسينما علاقة وطيدة واستثنائية لاسيما أثناء تركيب اللقطة السينمائية من خلال اللعب بالضوء والظل، بل هناك من يقول بأن السينما كتابة بالضوء. إن اللعبة نفسها يقوم بها الفنان التشكيلي، مع الإشارة إلى أن اللعبة السينمائية يلازمها سواد قاعة العرض وسواد السيليلويد في حين أن التشكيلي يجابهه بياض اللوحة باعتباره بداية لتسويد من نوع فني… إن هـذه العلاقة تجعلنا نتساءل هل هـذا السواد جوهر ثابت في الفنين معا أم أنه مجرد مشكل بلاستيكي؟ وهل يمكن اعتباره مجرد سؤال بلاستيكي شكلي؟ هل للون الأسود استعمالات متشابهة لما يقصده السينمائي عند التعبير باللقطة السوداء؟ أو أنه لون أولي لا محيد عنه أمام الفعل التشكيلي؟ 

للإجابة عن هـذه الأسئلة لابد من الإقرار بان اللون لغة، فرمزيته تختلف بحسب الأذواق واختلاف العادات، كما أن دلالاته تتنوع وتتعدد وفقا للانتماء الحضاري ويخضع للتنشئة الاجتماعية وغير ذلك من المؤثرات النفسية والثقافية… 

مشكل الصوت: في البدء كانت السينما بدون صوت الشيء الـذي جعل تولستوي يسميها بـ: « الصامت العظيم ». نستطيع أن نجزم بأن السينما بدأت في البداية عبارة عن لوحات تشكيلية متحركة. إن الفنان التشكيلي يتناول تيمة معينة عبر متوالية من اللوحات، كما أنه يركز على بعض تفاصيلها، بمعنى أنه  يقوم بتقطيع يتشابه  والتقطيع التقني الـذي يقوم به المخرج السينمائي، حيث ينتقل من لقطة إلى أخرى وفق تدرج منطقي للقطات… إذا، فالموضوع التشكيلي أو السينمائي الصامت يمكن أن نسقط عليه لغة معينة… إن هـذا النوع من التواصل الصامت/الناطق في آن واحد، هو الذي يقربنا من فكرة المكون السينمائي داخل الفن التشكيلي ويفتح أعيننا على السينما كفن بلاستيكي من خلال سؤال الصوت عبر مفارقات من نوع: صمت/ضجيج، سكون/حركة…  إن اهتمام الفنانين التشكيليين بالسينما هو مساءلة تجريبية لوضع الصورة المعاصرة المتغير باستمرار، أو من أجل تحويل اتجاه مبدأ السرد، وليس من أجل تأزيم إشكالية استيتيقا السينما من خلال سؤال الصوت. 

في الحقيقة يجب التأمل في الإبداع التشكيلي الناطق (السمعي) الذي استطاع بعض السينمائيين إنجازه على الفيلم كدعامة بلاستيكية وذلك عبر إعطاءه نوعا من الاستقلالية التشكيلية داخل حيز الصورة السينمائية أو عبر اللعب من خلال تفاعله مع المكونات التخييلية الأخرى. 

تأثير الفنون الأخرى في أعمال إيريك رومير: يعتبر السينمائي إيريك رومير « Éric Rohmer » من كبار المنظرين السينمائيين إضافة إلى انغماسه في لعبة  السينما بشكل بلغ ذروته تورطا على مستوى الممارسة، سواء تعلق الأمر بالإخراج أو تفعيل السؤال السينمائي على الواجهة النقدية. ففي سنة 1955 دعا إيريك رومير في مجلة دفاتر السينما « Cahiers du cinéma » إلى مجابهة تاريخ السينما ـ رغم حداثته ـ بتاريخ الفنون الأخرى وذلك عبر تأمل مقارن للسيليلويد(المادة التي يتكون منها الفيلم) والرخام »Le marbre« . ويتعلق الأمر بتجديد الخصوصيات والتطورات والتداخلات… ثم العمل على استثمار أدوات ومفاهيم وطرق تحليل عوض الانشغال بقياس أهمية المقارنة. لقد استلهم إيريك رومير بشكل ظاهر ومنفتح الأشكال الأيقونية المتوفرة في الأعمال الفنية عبر التاريخ، ولاسيما ما يتعلق بالفنون التشكيلية القروسطوية والرومانسية والمعاصرة خصوصا في أفلامه  « Perceval le Gallois« ؛ « 
La Marquise d’ O« ؛ « Pauline à la plage« . وقد تمظهر ذلك من خلال تنظيم المكان (الديكور) من أجل ملاءمته لتقديم اللقطة، ففي بعض الأحيان كان إيريك رومير يأتي بمجموعة من الأقوال والاستشهادات داخل الفيلم، لتبرير اختياراته لبعض الأشياء الأيقونية أو الهندسية أو الفوتوغرافية، أو باستعمال حوارات تزكي ميولاته الفنية للتصوير في أماكن طبيعية أو ديكورات هندسية معينة دون غيرها. كما أن التدقيق في الإخراج، التقطيع التقني الجيد، تأطير اللقطات المنظم، الاشتغال على حركات الكاميرا، التحكم الجيد في الحوارات… يحولون دون وقوع أي خلل وظيفي في حركية الصورة ويجعلها تحمل بصمات نماذج فنية أخرى من خارج السينما نفسها. إن أفلام إيريك رومير تبين بجلاء العلاقة المتداخلة بين ما هو سينمائي محض، وما هو مستدخل إليها عبر تعالقها الابستيمولوجي  مع فنون أخرى (التشكيل، الفوتوغرافيا، النحت، الهندسة…). لذلك فإن عمل السينمائي يخضع لعدة متغيرات تلزمه الاشتغال على أصعدة متعددة غالبا ما يسفر التأمل فيها عن كشف تشكلات وتأويلات غير بريئة. 

اللمسة التشكيلية واللمسة السينمائية:  تختلف الدعائم « Les supports » الفنية التشكيلية عن الدعامة السينمائية المتمثلة في الفيلم. فالفنان التشكيلي غالبا ما تكون لمسته الفنية مباشرة وحميمة مع بياض اللوحة كدعامة فنية بغض النظر عن المواد المستعملة في التشكيل؛ أما بالنسبة للسينمائي، فصورته يتدخل فيها التقني (مدير التصوير، الكيميائي داخل المختبر…). إن اللوحة التشكيلية عمل فردي، أما العمل السينمائي فهو عمل جماعي. انطلاقا من الستينات بدأ العديد من المجربين داخل المختبرات الفيلمية بالبحث في تجديد طرق الاشتغال المتداولة في توضيب الأفلام السينمائية، واهتموا أساسا بالفيلم « La pellicule » كمساحة وواجهة ودعامة… للانخراط في البحث وفقا لما يتيحه على مستوى الطول؛ وكان أيضا الاهتمام بالفوتوغرام « Photogramme » كوحدة قابلة للتقسيم داخل الفيلم إذا ما تم وضعه داخل بنية سينمائية قابلة لتحمل مجموعة من التغييرات الفنية وغيرها. إن هذه الإرهاصات التجريبية على نسيج الفيلم كمادة أولية عذراء، شأنه في ذلك شأن عذرية اللوحة عند الفنان التشكيلي، وهكذا  أصبحنا نتحدث عن السينما البنيوية والسينما الممتدة « L’expanded cinéma« ، بمعنى أن الفيلم يعتبر أفقا تجريبيا فنيا ممتدا، يتيح آفاق رحبة للتداخل الأيقوني  انطلاقا من بنيته ككل. 

التشكيلي في أفلام ج. ل. غودار « Jean Luc Godard« : يعتبر المخرج الفرنسي غودار من أهم الأعلام السينمائية التي أترث في تاريخ السينما العالمية بإضافاتها الفنية المهمة، إضافة إلى كونه واحدا من رواد الموجة الجديدة في فرنسا… إن التحليل الفيلمي لمنجزه يقودنا إلى كشف لغة فنية تأخذ  بعين الاعتبار المكون التشكيلي داخل أفلامه. 

كان يعتبر غودار بأن الكتابة الفيلمية هي نسج للأشكال والأصوات والألوان، وهذا ما يشكل في كليته عالم الفيلم وينظم فهمه بالنسبة للمتلقي، كما يمكن أيضا من متابعة التطور التشكيلي لعوالمه… لأن « رؤية » فيلم ما، ظاهرة جد معقدة؛ فهي تضع باستمرار أمام ثلاث أنشطة متباينة (الإدراكات، اعادات بناء المجال، ذاكرة بلا وساطة) التي تتوالى بدون انقطاع الواحدة بعد الأخرى وتشتغل على المعطيات التي تتزود بها نفسها4. إن المتأمل لفيلم غودار الموسوم بـ: « Vivre sa vie)« 1962) سيقف على دينامية المكون التشكيلي داخل متن الفيلم، وذلك وفق صيرورة فنية تتبلور عبر مبادئ متعددة من الميكانيزمات التي تساهم جميعها في إيضاح وإغناء الفيلم. يوظف غودار مجموعة من المكونات عبر مستويات متعددة لتشكيل القوة السيميولوجية للفيلم. وهكذا يتحول التشابه مثلا إلى عملية سيميولوجية تصبح هي المحرك الأساسي للفيلم وليس مجرد إيماءات حركية أو محاكاة ليست لها أية وظيفة رمزية داخل الفيلم. 

إن اشتغال غودار المتعدد على الفيديو وانفتاحه على أشكال ومدارس تشكيلية متعددة قد أجج العلاقة بين ما هو سينمائي وما هو تشكيلي في أفلامه، مما انعكس إيجابيا على المستوى الفني عنده؛ إذا لم نقل بأن قيمة التجريب الفني الذي قام به لم تظهر قيمته إلا من خلال المواجهة المفتوحة التي كانت بين الفيديو والسينما، الشيء الذي أسفر عن ميلاد صيرورة من الإواليات السيميولوجية التي أصبح بواسطتها يتم فهم وتأويل بعض المسائل السينمائية كالتشويه الفني والاقتلاع والتجديد والتورية… وهذا لن يتحقق سينمائيا بطريقة أوضح إلا من خلال وضع فرضيات فنية تتحقق خلال الفيلم. فهناك مجموعة من الأسئلة الفنية الحرجة مثل: كيف يمكن أن تعيش تجربة الرؤية عبر الكاميرا إذا كانت هذه الرؤية هي رؤيتها؟ أليس تحقيق هذا النمط من الوجود (لحظة الوقوف أمام الكاميرا) تقودنا فورا للموت؟ 

اللوحة والشاشة: إذا كانت اللوحة هي الإطار الإبداعي للفنان التشكيلي، فإن الشاشة هي الإطار الذي يظهر إبداع الفنان السينمائي. هناك اختلاف بين الإطارين، فالأول إطار جامد ماديا، والثاني إطار يتميز بالحركية. المشترك بينهما كثير ومتعدد… بداية باللون وانتهاء بالضوء، بل الأساسي هو أن الاثنين في عمق البصري « Le visuel« . إن السؤال المطروح الآن هو: هل اللوحة بمفهومها الكلاسيكي (إطار، قماش، صباغة…) قد أصبحت الآن صامدة أمام المد الإلكتروني والاختراق التقني للذات الفنانة؟ الجواب بالطبع: لا. لقد انفتح الفنان التشكيلي على عوالم افتراضية أخرى وتعرض بدوره لإغراء الثورة الرقمية والإلكترونية، الشيء الذي جسدته تيارات الآرت كوم والفن السيبيرنيطيقي المستفيد من ثورة النص الافتراضي « Hypertexte« … 

أصبح الفنان التشكيلي يتبادل أدوار اللعب مع زميله السينمائي، وبهذا فالسينما بدورها قد استفادت من حقل « L’infographisme« ، خاصة في مجالات الرسوم المتحركة والخدع السينمائية…  إن الشاشة كدعامة أو كوسيط مشترك بين السينمائي والتشكيلي، ترمي الجميع نحو آفاق تشكيلية لامتناهية تطرح حزمة من الأسئلة النظرية والجمالية، خاصة في الزمن الرقمي الذي نعيشه. إن ثقافة الشاشة المنتشرة الآن عبر الفضائيات، قد خلقت لدى المتلقي نوعا من التنميط فيما يتعلق بتذوقه الفني والجمالي، بل جعلت أفقه البصري يتقلص فيرتهن إلى ما تقدمه وبالتالي تصبح ثقافته البصرية محدودة. إن الشاشة كدعامة تشكيلية فنية تطرح على الباحثين في المجال الأيقوني أسئلة نظرية صعبة يلزمها الكثير من التأمل والبحث فيما يتعلق بالجوانب الاستيتيقية5، فمبحث الجمال نفسه يجب ألا يبق رهين الأسئلة الفلسفية الكلاسيكية. إن هذه الأسئلة تتشكل في إطار تحديد مفهوم الثقافة البصرية باعتبار الشاشة كواجهة للانخراط التشكيلي وإنتاج الذاكرة البصرية وتدوينها، أكثر مما هي طارئ تكنولوجي. إن التقاء اللوحة والشاشة في نوع من التواصل الافتراضي يجعل منتوجهما البصري قادرا على خلق أشكال ورموز ذات تأويلات بصرية لامتناهية التعدد. 

خاتمة:  إن علاقة التشكيلي بالسينمائي تتولد عبر نسيج من النقط البنيوية التي يتداخل فيها الزماني والمكاني… من أجل تشكيل هندسة عابرة من الحبكات والتقاطعات والعتمات والأنفاق والمتاهات… كل ذلك يتيح للفنان أنفاس جمالية متجددة، وللمتلقي إمكانيات وافرة للتفاعل معها عبر أنظمة تداولية مختلفة… فاللون والضوء والتركيب… رموز وعلامات تختلف حسب السياقات التداولية، ووفق المنظومات الثقافية لكل جماعة. 

 هوامش البحث: 1/ جيل دولوز، الفلسفة والسينما، جريدة ليبيراسيون الفرنسية، 13 أكتوبر 1983، مأخوذ من كتاب: الفلسفة، إعداد وترجمة: محمد الهلالي، مراجعة: عبد الرحيم الحسني، منشورات مجلة فلسفة، الطبعة الأولى، 1996. 

2/ نتحدث هنا عن المؤلفين الهامين للفيلسوف جيل دولوز: 

Gilles DELEUZE׃ «Cinéma I׃ l’Image – Mouvement »; Collection «  Critique  »; Les éditions de Minuit; Paris; 1983 Gilles DELEUZE׃ «Cinéma II׃ l’Image – Temps »; Collection «  Critique  »; Les éditions de Minuit; Paris; 19853/ يعتبر إيلي فور (1873/1937) من النقاد والمؤرخين الفنيين الفرنسيين البارزين الذين تركوا مؤلفات مؤثرة في الحركة الفنية، نذكر منها ما له علاقة بموضوعنا: 

● «Histoire de l’art » (1927).                          ● «l’esprit des formes » (1909). ● «De la cinéplastique» (1922).                     ● «Vocation du cinéma » (1937). 

4/ Christian METZ; La grande syntagmatique du film narratif; in revue « Communication » Nº 8; 1969; Page: 127. 

5/ انظر في هذا السياق:

Cy Twombly; Écriture poétique et langage plastique; tome 3; Au  même titre édition; (15 septembre 2000).         

     

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

17-10-2008

سيميائية الصورة

سيميائية الصورة
عرض/سكينة بوشلوح

المعركة التي تدور بين الدول الصناعية الكبرى وهيمنتها على الدول الفقيرة هي معركة السيطرة على الصورة بشتى أشكالها ومختلف معانيها، بدءا بالصورة التلفزيونية المباشرة عن طريق الأقمار الصناعية، وصولا إلى الصورة في مجال الإشهار وكتب الأطفال.

هذه المعركة ليست محايدة فهي تحمل أهدافًا ورسالة، فهل النخب العربية والإسلامية واعية بهذه المعركة وما يستتبعها من

 تحولات كبرى؟

بهذه المقدمة استهل الأستاذ قدور عبد الله ثاني أستاذ سيميولوجية الصورة بكلية علوم الإعلام والاتصال في جامعة وهران (الجزائر) دراسته بعنوان « سيميائية الصورة.. مغامرة سيميائية في أشهر الإرساليات البصرية في العالم »، وعزا سبب فقدان

الصورة بلاغتها وسلطتها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى سيادة ما يسميه علماء الاتصال بالثقافة اللفظية أو الشفوية، رغم هيمنة الصورة على حياتنا المعاصرة وتوجيهها لأهم إستراتيجيات التواصل الإنساني.

مفهوم السيميولوجيا


تذكر المعاجم اللغوية أن السومة والسيمة والسيمى والسيماء والسيمياء تعني العلامة، ويعرف المعجم الوسيط علم السيمياء بأنه علم يبحث دلالة الإشارات في الحياة الاجتماعية وأَنظمتها اللغوية.

ويورد الباحث عدة تعريفات لهذا العلم، من بينها أنه « نظام الشبكة من العلامات النظمية المتسلسلة وفق قواعد لغوية متفق عليها في بيئة معينة »، أو « دراسة الأنماط والأنساق العلاماتية غير اللسانية »، أو « علم الإشارة الدالة مهما كان نوعها وأصلها »، وهو باختصار « علم خاص بالعلامات ».

 »
 المقاربة السيميولوجية تعد خطوة هامة في الكشف عن القيم الدلالية والعلامات لأن السيميولوجيا جاءت لتقريب العلوم الإنسانية من حقل العلوم التجريبية وإعادة المعنى غير المرئي للصورة والإنسان والتاريخ
« 

يهدف علم السيمياء (السيميولوجيا) إلى دراسة المعنى الخفي لكل نظام علاماتي، فهو يدرس لغة الإنسان والحيوان وغيرها من العلامات غير اللسانية باعتبارها نسقا من العلامات، كعلامات المرور وأساليب العرض في واجهة المحلات التجارية والخرائط والرسوم البيانية والصور وغيرها.

فهو يدرس العلامات في كنف الحياة الاجتماعية، وقد يشكل فرعا من علم النفس الاجتماعي، ومن أبرز باحثيه ومؤسسيه دي سوسير وشارل بيرز.

وما يبرر مشروعية البحث السيميائي للرسالة البصرية ذلك الاكتساح الملفت الذي فرضته الصورة بتجلياتها وأشكالها المختلفة في حياتنا اليومية، فهي في البيت تدخله دون استئذان وفي الشارع والمؤسسة والأسواق.. والثقافات السائدة في المجتمعات تقوم بتطبيع البعد الرمزي والثقافي والأيديولوجي للصورة.

واللجوء إلى المقاربة السيميولوجية يعد خطوة هامة في الكشف عن القيم الدلالية والعلامات لأن السيميولوجيا جاءت لتقريب العلوم الإنسانية من حقل العلوم التجريبية -أي أنها رياضيات العلوم الاجتماعية والإنسانية- وإعادة المعنى غير المرئي للصورة والإنسان والتاريخ.

كما أن مجمل الدلالات التي تثيرها الرسالة البصرية ليست وليدة مادة تضمينية دالة ومعانٍ قارة ومثبتة في أشكالٍ لا تتغير، وإنما هي أبعاد أنثروبولوجية واجتماعية وفطرية إنسانية.

ولهذا فالألوان والأشكال والخطوط تتسرب إلى الصورة محمَّلة بدلالتها السابقة، فالأشكال الهندسية -مثل المربع أو المثلث أو المستطيل أو الزوايا- لها دلالات أخرى غير التشكيل الهندسي لفضاءات مقتطعة من كون لا حد له، فالمخاطب الثقافي هو الذي يحول الوجه والإيماءة والعضو إلى بؤرة لإنتاج الدلالات وتحديد أنماط استهلاكها.سيميائية الصورة top-page

منهجية التحليل السيميائي

 »
القاعدة الأساسية التي يتبعها السيميائي تكمن في تركيب الصورة بدءا بشكلها وتنظيمها الداخلي والجمالي، ثم انتهاء باستخدام الألوان وعمق الصورة
« 

يشير الباحث إلى أننا بحاجة إلى معارف كثيرة لإدراك كل الإيحاءات التي تثيرها صورة إيماءة عجلى أو نظرة متوسلة أو ابتسامة معلقة على شفاهٍ حزينة.

وإذا كان المستوى الأول من القراءة يرتبط بإدراك الرسالة البصرية في أبعادها الفنية والتشكيلية والتقنية وينحصر في التعامل مع ظاهرية الصورة في استقلالٍ عن فاعلها، فإن المستوى الثاني يرتبط بالتدليل أو التأويل، أي الحديث عن قيم دلالية تعد الصورة مهدا لها، أو تقديم الصورة من أجل التمثيل لقيمة ما.

وبالتالي فالقاعدة الأساسية التي يتبعها السيميائي تكمن في تركيب الصورة بدءا بشكلها وتنظيمها الداخلي والجمالي، ثم انتهاء باستخدام الألوان وعمق الصورة.

ويرى الأستاذ عبد الله ثاني أن افتراض منهجية متكاملة لتحليل الرسائل البصرية الثابتة بمختلف أنواعها (الصورة الفوتغرافية، اللوحة الفنية، الكاريكاتير، اللوحة الإشهارية، الشعار وغيرها) تبدو معقدة وصعبة وتتطلب من القارئ أن يكون مجهزا بترسانة من الأدوات الإجرائية التي تمكنه من اكتشاف خبايا الصورة الفوتغرافية -مثلا- من خلال المقارنة السيميولوجية الحديثة التي تتطلب البحث عن المدلولات الإيحائية للوصول إلى النسق الأيديولوجي الذي يتحكم في هذا النوع من العلامات.

ويضيف أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أعادت بعث الصورة والحدث معا من جديد، فالصورة استهلكت الحدث بامتصاصه ثم عرضه للاستهلاك، إذ إن انهيار برجي التجارة العالمية كان أمرا غير قابل للتصور. لكن هذا لا يكفي من أجل الحديث عن حدث واقعي من حيث تأثير وجاذبية الصورة لاحقا، حيث يقوم الإعلام بدور الدعاية ويتم توجيه الرأي العام باستثارة الحساسية الجمالية للمتلقي، وتنفجر أكبر ثورة للمعلومات عبر شبكات النقل الكوني للصور البصرية.

ومن الأمثلة على ذلك صورة سيناريو الانهيار العراقي التي سيذكرها الباحث فيما بعد كنموذج عملي يطبق فيه منهجيته في تحليل الرسائل البصرية.

والعمليات التكوينية للصور لا تخرج في جملتها عما يلي:

- الاختيار من الواقع المنظور.
- استخدام العناصر المشكلة للصورة.
- تركيبها في نسق منتظم ينتج دلالة ما.

من هنا اعتبر الباحث أن الصورة من الوجهة السيميولوجية باعتبارها علامة دالة تعتمد على منظومة ثلاثية من العلاقات بين الأطراف التالية:

- مادة التعبير وهي الألوان والخطوط والمسافات.
- أشكال التعبير وهي التكوينات التصويرية للأشياء والأشخاص.
- مضمون التعبير ويشمل المحتوى الثقافي للصورة من ناحية وأبنيتها الدلالية المشكلة لهذا المضمون من ناحية أخرى.

 »
افتراض منهجية متكاملة لتحليل الرسائل البصرية الثابتة بمختلف أنواعها تبدو معقدة وصعبة وتتطلب من القارئ أن يكون مجهزا بترسانة من الأدوات الإجرائية
« 

ويقترح الأستاذ عبد الله ثاني في ضوء دراسته لمناهج التحليل لدى متخصصين في علم السيمياء أمثال رولان بارث في بحثه « بلاغة الصورة »، ولوران جرفيرو في كتابه « انظر كيف نفهم تحليل الصورة »، والعالمين بيروتات وكوكيلا في كتابهما « دلالة الصورة ».. يقترح شبكة تحليل للرسالة البصرية الثابتة تتلخص في ما يلي:

1. وصف الرسالة، ويتضمن:
- المرسل (مبدع الرسالة).
- الرسالة (نوعها وتاريخها).
- محاور الرسالة.

2. مقاربة نسقية، وتشمل:
- النسق من الأعلى (الرسالة البصرية).
- النسق من الأسفل (الدعاية).
3. مقاربة إيكونولوجية، وتشمل:
- المجال الثقافي والاجتماعي.
- مجال الإبداع الجمالي في الرسالة.

4. المقاربة السيميولوجية، وتشمل:
- مجال البلاغة الرمزية في الرسالة.
- المعنى التقريري الأول والمعنى التضميني الثاني (تفسير الرسالة البصرية).
- حوصلة وتقييم شخصي.top-page

سقوط بغداد سيميائيا


خصص الباحث الباب الثالث والأخير من دراسته للجانب العملي إذ طبق شبكته المقترحة للتحليل السيميائي على نماذج عن أشهر الرسائل البصرية في العالم، فحلل صورة فوتغرافية لسقوط بغداد وهي ما سنعرضه في هذا المقال، وصورة استشهاد الطفل محمد جمال الدرّة، والصورة التي أبهرت العالم عن المجاعة في السودان التي التقطها المصور كيفن كارتر يوم 26 مارس/آذار 1993، ولوحة الموناليزا للرسام الإيطالي ليوناردو دافينشي، واللوحة الإشهارية للفيلم الصيني « البطل » (Hero)، وشعار قناة « الجزيرة » الفضائية.

وفي ما يلي ملخص التحليل السيميائي لصورة سقوط بغداد:أولا- وصف الرسالة:
- المرسل: القناة الأميركية سي.أن.أن.
- الرسالة: عنوانها « سقوط بغداد ».
- تاريخها: يوم 9 أبريل/نيسان 2003، وعرضت على مختلف القنوات والجرائد والمجلات العالمية وشبكة الإنترنت.
- نوع الرسالة: صورة فوتغرافية ذات بعد سياسي، وهي عبارة عن إطار مربع أفقي مساحته (17.5×15.6) سم2.
- محاور الرسالة: تحمل الصورة أربعة مشاهد هي:
الأول: جندي أميركي بزيه العسكري ينظر إلى تمثال الرئيس السابق صدام حسين.
الثاني: تمثال صدام وهو في حالة السقوط ومربوط بحبل استعمل لسحبه من الرأس.
الثالث: الأشخاص المتجمهرون أمام التمثال من فئات المجتمع العراقي.
الرابع: المسجد وبجانبه مجموعة من أشجار النخيل، وكل هذه العناصر جزء من ساحة الفردوس التي تتوسط العاصمة العراقية بغداد.

ثانيا- مقاربة نسقية

:
أ. النسق من الأعلى (أسباب التقاط الصورة):
- التقطت هذه الصورة كإعلان عن سقوط بغداد واستعملت كدلالة قوية على سقوط النظام العراقي وقبول العراقيين للاحتلال الأميركي.
- مرسل الصورة قناة سي.أن.أن المعروف عنها أنها الدعامة الإعلامية للسياسة الأميركية.
- هدفها الترويج للسياسة الخارجية الأميركية وقرارات البيت الأبيض.

ب. النسق من الأسفل:
- البث: تم بث ونشر هذه الصورة في فترة التقاطها أي أثناء نهاية القصف الجوي على بغداد.

- التأثير: ويتمثل في الصدمة التي أحدثتها على مستوى الشارع العربي الذي لم يفهم موقف العراقيين الذين أسهموا في إسقاط تمثال صدام حسين.top-page

ثالثا- مقاربة إيكونولوجية

:
أ. المجال الثقافي والاجتماعي:
الهوية الفنية لهذه الرسالة تنتمي إلى الصورة الفوتغرافية الملونة، وقوة الصورة تتضح جليا في العناصر التي شملتها كالتمثال والمسجد والجمهور الغفير. والعنصران الأول والثاني يعكسان الحالة النفسية لملتقط الصورة وناشرها، وذلك نظرا لما كان يمثله عنصرا التمثال والمسجد والحالة التي آلا إليها.

ثم يقدم الباحث خلفية عن تاريخ العراق المعاصر ابتداء من حربي الخليج مرورا بالحصار الاقتصادي المفروض عليه وانتهاء بالحرب الأميركية على الإرهاب التي بدأت بغزو أفغانستان وإسقاط نظام طالبان ثم غزو العراق بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي جورج بوش استخدم تعبير « الحرب الصليبية » في وصفه الحرب على الإرهاب، ما عرضه لانتقادات غاضبة في أرجاء العالم الإسلامي.

ب. مجال الإبداع الجمالي في الرسالة، ويشمل:
- سنن الأشكال والألوان، إذ يمكن تقسيم الصورة بخط عمودي واحد: الجزء الأيسر خاص بالتمثال والمسجد، والجزء الأيمن خاص بالجندي الأميركي. وتتحقق الوحدة الجمالية في انسجام الألوان وترابطها، ما يساعد في قراءة واضحة للصورة.

- السنن التشكيلية، إذ التكوين الجيد هو الذي لا يشتت العين من خلال توازن العلامات التي تحتويها الصورة الفوتوغرافية وتكامل معانيها. وتشكيل الصورة (الجندي الأميركي ثم تمثال صدام وهو يسقط والأشخاص المتجمهرون أمام التمثال ثم المسجد) يوحي إلينا معنى تمكن قوات الاحتلال من دخول العراق وإسقاط نظامه باستخدام فئة من شعبه والدوس على كرامته ومقدساته.

 »
المعركة التي تدور بين الدول الصناعية الكبرى وهيمنتها على الدول الفقيرة هي معركة السيطرة على الصورة بشتى أشكالها, فهل أصبحت النخب العربية والإسلامية واعية بهذه المعركة
« 

رابعا- مقاربة سيميولوجية

:
أ. مجال البلاغة والرمزية في الصورة، وتشمل:
1- العلامة البصرية التشكيلية وتفصيلها كالتالي:
- الجندي الأميركي علامة بصرية مشكلة لعامل القوة.

- سقوط تمثال صدام علامة إسقاط القوة المسيطرة وإذلالها.

- الجمهور المتعدد علامة بصرية مشكلة لمعنى ضم جميع فئات الشعب العراقي ورضاهم عن الاحتلال.

- المسجد علامة بصرية مشكّلة لأحد مقومات العراق العقائدية وركيزة من ركائز هويته الوطنية.

2. العلامة البصرية الإيقونية، إذ ضمت الصورة الفوتغرافية عدة أوجه بلاغية منها الكناية والمجاز.

3. وفي تقدير المؤلف وتقييمه الشخصي أن هذه الصورة ذات بعد إعلامي وسياسي أرادت بها الولايات المتحدة تبرير الاحتلال وتعويضه بمصطلح التحرير، ويرى أن ذلك لم يتحقق لعدة أسباب منها:

- لا يمكن حمل الديمقراطية إلى الشعوب على متن الدبابات والطائرات.
- لا يمكن تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل ثم استعمال نفس الأسلحة في إبادة الشعوب.
- كما أن هذه الصورة من حيث تأثيرها لا ترقى إلى صور المباني المهدمة والأشلاء المتناثرة من جراء القصف، أو صورة السوق الشعبي الذي دمرته قوات الاحتلال الأميركي.

بمثل هذه « المغامرة السيميائية » كما سماها في عنوان دراسته، يواصل الأستاذ قدور عبد الله ثاني تحليله لمختلف أشكال الرسالة البصرية الثابتة، ويبقى سؤاله المطروح في مقدمة الكتاب عن مدى الوعي العربي والإسلامي بخطورة معركة السيطرة على الصورة.. ينتظر الإجابة.top-page

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »

16-10-2008

الخطاب الإشهاري والقيمة الحجاجية

                                   

                                                                                                  توطئة  
تندرج هذه الدراسة في سياق الكشف عن خصائص البنية الحجاجية للخطاب الإشهاري من منظور ثلة من الدارسين الذين عنوا بتوصيف الحجاج والإشهار بوصفهما عمليتين  لسانيتين وعقليتين  تعتمدان مبدأ استمالة الآخر ، وترويض مشاعره وفكره تمهيدا لتعديل سلوكه ومواقفه العامة من الأشياء المادية والفكرية المشكلة لرؤية العالم عنده ،مع تبيان أنواع الحجج ،وكيفية بنائها وترتيبها في الخطاب الإشهاري  تحقيقا للترابط النصي ،وتفسير بنياتها؛ كما تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الفروق بين الحجاج السليم والمغالط في العملية الإشهارية  في ضوء مقاربات تطبيقية لبعض الخطابات المتداولة، وتقوم هذه الدراسة على محورين أساسين أولهما يمهد بالتعريف والتحديد الاصطلاحي للحجاج بوصفه عملية و استراتيجية خطابية متميزة من ناحية ، وبكونه نصا منتجا لمقاصد معينة في ظروف مقامية محددة، أما المحور الثاني فيمعن خصوصيات الخطاب الإشهاري ، ومكوناته اللسانية والأيقونية ، والأغراض الأساسية التي يحققها المشهر باختياره تقنيات ومبادئ إشهارية معينة تستهدف الزبون ( السلعة المادية والمعنوية) فتثير عواطفه ،و تستهوي فكره للإقبال على اقتناء المعروض برغبة متعالية ، وفي هذا السياق يمكن تحديد كفاءة الخطاب الإشهاري وقوته الإنجازية من حيث هو فعل كلامي كلي مقامي. وبالرغم من تعدد الدراسات اللسانية و السيميائية الغربية بالفرنسية والإنجليزية المقاربة للنص الإشهاري  إلا أن مثيلاتها في الدرس اللساني العربي الحديث قليلة  [1]، بخاصة تلك المتعلقة بالجانب اللساني والتداولي لموضوع الحجاج وأنواع الخطابات كالإشهار مثلا ، مع توزعها على اهتمامات مختلفة فبعضها مرتبط باللسانيات وبعضها أدخل في قضايا السيمياء والنقد الأدبي وأخرى متصلة بالجوانب الإعلامية ونظريات الإتصال الجماهيري ،وهذا يدل على حداثة هذا النوع من الدراسة في فكرنا العربي المعاصر لظروف معرفية ومنهجية مختلفة أطرتها اللحظة الثقافية العربية والمشهد الحضاري الراهن ، ولهذه الأهمية تنزلت دراستنا هذه في سياق الوصف والاستقصاء باحثة في عالم النصوص العربية المنجزة عن إمكان الاستفادة من المنجز اللساني الغربي الحديث بمناهجه التداولية والنصية والسيميائية في تمعين الخطاب الثقافي العربي قديمه وحديثه، في لحظة البدء مع الدعوة إلى ضرورة ادراج مبحث الخطاب الإشهاري في صلب الهموم النصية العربية النظرية والتطبيقية بخاصة الخطاب العلمي البيداغوجي على اعتبار حاجتنا إلى تعليم التصوص الأصيلة  والتي يشكل الإشهار أحد نماذجها الرئيسة ÷ذا من ناحية ومن ناحية أخرى سد الفجوة النقدية في مدارسة هذا النوع من النصوص الإبداعية في إطار مدونة النقد العربي بالرغم من أن المنجز النصي التراثي يعج بالنصوص الإشهارية التي واكبت النشاط التجاري الذي عرفته الحياة العربية  وظاهرة الأسواق وتجارة الرقيق إطار موضوعي لذلك. 

أ-تحديدات اصطلاحية 

تتعدد المصطلحات وتتشعب في إطار وصف الخطاب الحجاجي التداولي، فتطفو على السطح مفردات مثل الحجاج والحجة والدليل و البرهان[2] ، بالرغم من تضايفها السياقي إلا أنها مختلفة في التداول الاختصاصي عند بعض اللسانيين ، وستحاول هذه الدراسة  أن تذلل بعض الصعوبات الاصطلاحية في سبيل الكشف في المنتهى عن خصائص الحجاج والإقناع  بنية ومضمونا . 

(persuation)1-الإقناع  

  يعني الإقناع العملية الكلامية التي تستهدف التأثير العقلي والعاطفي في المتلقي أو الجمهور،قصد تفاعله إيجابيا مع الفكرة أو السلعة المعروضة عليه باعتماد الحجج والبراهين الإثباتية عبر وسائط طبيعية أو صناعية ، أما الاقتناع فهو فعل الأثر الناجم عن عملية الإقناع لدى المتلقي متى توافرت الظروف ،وتهيأت من لدن المرسل ( المقنع ) فيحدث الانسجام بين الرغبة الذاتية والإمكانات المتاحة والهدف المطلوب ، ويمكن القول بأن الإقناع جهد اتصالي لساني بالدرجة الأولى مؤسس على قصد ، ومخطط له سلفا وفق أهداف معينة لاستمالة المتلقي وتعديل سلوكه ومواقفه الشخصية في ظروف مقامية معينة ، وما يجب التنبه إليه في هذا المقام أن النص الإقناعي القائم على الحجج قد تختلف مقاصده بناء على الاستراتيجية الموضوعة فقد يبنى على الإغراء[3]، فتكون المتعة الشخصية غايته ، وقد يتجه وجهة إقناعية عقلية بحتة تضطلع الحجج المنطقية وأساليب الاستدلال بمهمة توجيه فكر المتلقي. 

(la cempetance persuative)الكفاءة الإقناعية 

          لما كان الإقناع جهد لغويا مقصودا ومؤسسا على استراتيجية معينة للتأثير في رغبات الآخر وميوله فإنه لا يتحقق فعلا إنجازيا موفقا إلا إذا كان المقنع ممتلكا لكفاءة تواصلية و إقناعية متميزة يكون نتاجها كسب تأييد الآخرين لرأيه وما يعرضه عليهم ، وتتميز هذه الكفاءة بالمهارات التالية  

مهارة التحليل والابتكار.1 

2-مهارة التعبير والعرض المنظم للأفكار. 

3-  مهارة الضبط الانفعالي. 

4-مهارة فهم دوافع نقد الآخر. 

نجاعة العملية الإقناعية 

حتى تحقق العملية الإقناعية نجاحها لابد من توافر جملة من القواعد الضابطة  أثناء ممارسة الفعل الإقناعي ذاته ناهيك عن الصفات الشخصية المساعدة للمرسل  الذي يمارس بشخصيته نوعا من التأثير السلطوي أو الإغوائي في كثير من المناسبات الإشهارية التي تستدعي صورة المرأة في وضعيات مختلفة ، وربما تمكنا من إجمال هذه القيود في العناصر التالية : 

1-خلو الرسالة الإقناعية من المغالطات الوصفية . 

2-بناء الحجج على سلمية متدرجة ، تراعي سياق التخاطب. 

3-إحالة الرسالة الإقناعية على مرجع ثقافي سائد ومشترك ( عدم التعارض مع القيم والعادات والمعتقدات السائدة ) 

4-وضوح الأهداف ، وإمكان الوصول إليها . 

5- الجمع بين الرأي والرأي المضاد . 

6-تنويع عرض المرسلة الإقناعية مع مراعاة التباعد الزمني في عملية العرض. 

 العملية الإقناعية والعامل النفسي 

لنجاع العملية الإقناعية على موجه الرسالة أن يمهد لها الطريق  لدى المتلقي  بإيجاد جو نفسي ملائم ، وهو ما يعرف بالتهيئة النفسية ، من مثل مايماسه المؤذن لتهيئة المصلين للفعل العبادة ، ومراقبة هلال رمضان ،والتطيب والتزين في العيد ، فكلها أفعال إشهارية وإقناعية تهدف إلى استمالة الفرد وإعداده لاستقبال موضوع  ذي قيمة في الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الدينيةأو التجارية[4] ، وقد تمارس وسائل الإعلام لفترة زمنية محددة سلفا هذه المهمة لصالح برامج سياسية قومية أو حزبية لتخلق ما يعرف بالرأي العام تجاه مسألة مصيرية بسرد أحداث جانبية كارتفاع أسعار النفط عالميا ، واندلاع حروب هنا وهناك ،فيتهيئ الرأي العام المحلي لقبول زيادات في الأسعار

ب-الحجاج(Argumentation

تشير موسوعة لالاند الفلسفية إلى أن الحجاج سلسلة من الحجج تنتهي بشكل كلي إلى تأكيد نفس النتيجة ،وربما نص هنا على كونه طريقة تنظيمية في عرض الحجج ،وبنائها وتوجيهها نحو قصد معين يكون عادة الإقناع والتأثير ، فتكون الحجة في سياق هذا العرض بمثابة الدليل على الصحة أو على الدحض[5]، وأما مصطلح البرهنة والبرهان فيشيان باستنباط دليلي يوجه لتأكيد نتيجة سالفة باعتماد مقدمات صادقة ، وهكذا سنسمي حجاجا تلك الطريقة أو ذلك الأسلوب الذي يسلكه الخطاب لإضفاء سمة التماسك القضوي والشكلي والدلالي على ما ينسج من تراكيب تمنح الخطاب بعدا إقناعيا في التواصل اللغوي ، ويذهب شارل بريلمان(Ch.Prelman)إلى أن الحجاج سمة تصف كل الخطابات ، غايتها الاستمالة والإقناع ضمن العلاقة بين الأنساق الصريحة والضمنية، وهذا بالضبط ما قرره دي كرو من وجود مؤشر حجاجي في كل معنى حرفي جملي يستدعي مضمر السياق للإيحاء بنتيجة ما مقنعة أو غير مقنعة[6] ،وتطلق لفظة حجاج و محاججة عند بريلمان  وتيتيكاه على العلم وموضوعه، ومؤداها درس تقنيات الخطاب التي تؤدي بالذهن إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات ،أو أن تزيد في درجة التسليم [7]وربما كانت وظيفته محاولة جعل العقل يذعن لما يطرح عليه من أفكار ،أو يزيد في درجة ذلك الإذعان إلى درجة تبعث على العمل المطلوب، [8] على أن الحجاج مثلما أنه ليس موضوعيا محضا فإنه ليس ذاتيا محضا؛ ذلك أن من مقوماته حرية الاختيار على أساس عقلي ، وعلى صعيد آخر يمكن القول بأن الحجاج في ارتباطه بالمتلقي يؤدي إلى حصول عمل ما أو الإعداد له، ومن ثم سيكون فحص الخطابات الحجاحية المختلفة بحثا في صميم الأفعال الكـلامية وأغـراضها السياقيـة ،وعلافة الترابط بين الأقوال والتي تنتمي إلى البنية اللغوية الحجاجية[9]، و سيكون الحجاج مؤطرا بالخاصية اللسانية الشكلية ،وليس بالمحتوى الخبري للقول الذي يربط القول بالمقام  ،ولما كان الأمر كذلك فإن تركيز التداولية ينصب على العلاقات الترابطية بين أجزاء الخطاب والأدوات اللسانية المحققة له، ومن خصائص الخطاب  الحجاجي الذي يميزه عن البرهان أو الاستنتاج إمكان النقض أو الدحض[10] مما يجعل من إمكانية التسليم بالمقدمة المعطاة أمـرا نسبيـا بالنسبـة إلى المخاطب. وتتصدر المحاججة بوصفها وظيفة لسانية قائمة الوظائف اللغوية بالرغم من عدم إشارة الدارسين الذين تناولوا موضوع وظيفة اللغة إليها مثل:بوهلر و جاكبسون  و مارتنيه و براون و ييول و هاليدي و فان ديك وغيرهم..إلخ. 

إن القول اللغوي ينجز في ظروف معينة قصد التأثير في المتلقي مستعملا وسائل لغوية موجهة للخطاب نحو غاية معينة ، وبالتالي سيكزن من الوجيه أن يميز بين الحجاج(  argumentation)،والبرهان (demonstration) فالحجاج ليس خطابا برهانيا منطقيا وعقليا بالأساس -كما يتصور البعض- يقتضي البرهنة على صدق قضية ما مثلما هو الأمر في الاستدلال المنطقي (syllogisme)وإنما هو خطاب لغوي طبيعي عادي احتمالي في نتيجته التي يتوصل إلى معناها بالتأمل في البنية اللغوية ،ووسائل الربط المقيدة للحجج والمنسقة بينها ،إن ما يفرق  بينهما كونه (الحجاج ) مؤسسا على بنية قولية لغوية متسلسلة داخل نص ما لاعلى مقتضى الأقوال المنطقية  التي ينشغل بها النص الفلسفي الاستدلالي[11]

القيمة الحجاجية 

  تتنزل نظرية الحجاج ضمن نظرية أشمل سطر قواعدها كل من أوستن وسيريل في انظرية الأفعال اللغوية ، فما الفعل الحجاجي إلا نوع من الأفعال الإنجازية التي يحققها الفعل التلفظي في بعده الغرضي ، كما أضيف إليه مفهوم القيمة الحجاجية التي تعني نوعا من الإلزام في الطريقة التي يجب سلوكها لضمان استمرارية ونمو الخطاب حتى يحقق في النهاية غايته التأثيرية ، وتشير من ناحية ثانية إلى السلطة المعنوية للفعل القولي ضمن سلسلة الأفعال المنجزة لتبليغ فكرة ما إلى المتلقي[12]

الحجاج الخاطئ 

 يبنى هذا النوع على المغالطة في تقديم الحجة، ويعبر عنه باللغة الفرنسية بمصطلح (paralogisme)  المتكون من جزئين هما para ونعني به خاطئ و logisme بمعنى الحجة ، وربما أضاف بعضهم صفة النية الحسنة لهذا النوع؛ ليتميز في التفكير الفلسفي عن مصطلح sophisme[13] . إن الحجاج الخاطئ يقدم على المقايسة الواهمة ،كما تسبب في حدوثه عيوب بنويه أثناء تأسيس المحاججة كالمصادرة على المطلوب ،أو الأخطاء الناجمة عن تعدد الأسئلة ،ففي كثير من الأحيان يصدر الخطاب عن تمويه في صورة مقدمات وهمية كاذبة،إما شبيهة بالحقيقة لكنها غير ذلك ،أو شبيهة بالمشهور دون أن تكون كذلك أيضا ، مثل : كل ميت يجب دفنه/الحجر ميت /النتيجة الحجر يجب دفنه [14]؛ وربما أمكننا التمثيل للمغالطة الحجاجية بقولنا: إن إسرائيل دولة نووية وقوة عسكرية فهي إذن على حق ،إذ يشمل هذا النوع من المغالطة الحجاج بالسلطة،ومن أنواع الحجاج الخاطئ أيضا المغالطة المنطقية ؛ ونزعم التمثيل لها بمناظرة الشاعر العباسي « أبي العتاهية  » لثمامة بن الأشرس [15] ، والمغالطة العلمية التي تشخص في تناقض أقوال المتكلم وأفعاله، وربما مثلنا لها في النص القرآني بقوله تعالى:] أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [ (البقرة/44)، وأما الحجاج المبني على التناقض الإثباتي فتبينه الآية من سورة مريم:] إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا[ (مريم /19) فقد ذهب بعض المفسرين إلى أنها لم تنذر في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم كونها نذرت، فيكون هذا منها تناقضا فقد تكلمت من حيث نذرت عدم الكلام، بينما ذهب آخرون إلى إمساكها و اكتفائها بالإيماء  وبالرأس ،ومن أدوات الحجاج اعتماد التهديد والترهيب كأسلوب للإقناع الخطابي في النصوص الدينية والسياسية  ، ويمكن أن نجد لهذا النوع من الإقناع الذي ينحو منحى استسلاميا أمثلة متعددة في الخطابة العربية كخطبة زياد بن أبيه لأهل البصرة ، وخطبة الحجاج لأهل العراق، وخطبة زيد بن المقنع العذري الذي سعى في ضمان ولاية العهد إلى يزيد بن معاوية، فخطب في حضرة معاوية (ض) قائلا: « هذا أمر أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية ، فإن هلك.. وأشار إلى  ولده يزيد فان أبيتم فهذا ..وأشار إلى سيفه [16]. هذا ويمكن الحديث على أنواع أخرى للحجج منها[17] : 

1- حجة التبرير l’argument de gaspillage  ، وأداتها « بما أن «  

2- حجة الاتجاه direction  ،وغرضها التحذير من انتشار شيء ما . 

3- الحجة التواجدية، تبنى على علاقة الشخص بعمله، ويمكن أن نمثل لها بقوله (ص) : 

 » من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » إذ يكن أن نقول بأن المتعلم كشخص في جوهره ليس فضوليا ،وعمل ترك ما لا يعنيه من تجليات حسن الإسلام . 

4- الججة الرمزية: للرمز قوة تأثيرية في الذين يقرون بوجود علاقة بين الرامز والمرموز إليه كدلالة العلم في نبسته إلى وطن معين ، والهلال بالنسبة إلى حضارة الإسلام ،والصليب بالنسبة إلى المسيحية ،والميزان إلى العدالة .                                      

5- المثل: إنّ الغاية من اعتماده حجاجيا هو التأسيس للقاعدة ، والبرهنة على صحتها .  6- الاستشهاد: غايته توضيح القاعدة ،وتكثيف حضور الأفكار في الذهن ، وربما كان الاستشهاد أداة لتحويل القاعدة من طبيعة مجردة إلى أخرى محسوسة ، ولعل القرآن الكريم فيما يقدم لنا من أمثلة حجاجية أهم مصدر لهذه الأشكال الحجاجية ، على أن العناية بالاستشهاد القائم على التمثيل مقيد بجملة من القيود لعل أهمها؛ عدم إطنابه،ومن الحجج المعنمدة أيضا المعطيات العددية الناتجة عن الإحصاء[18]

نظرية السلالم الحجاجية[19]

تطرح هذه النظرية تصورا لعمل المحاججة من حيث هو تلازم بين قول الحجة ونتيجتها، لكن قول الحجة والنتيجة في تلازمها تعكس تعددا للحجة في مقابل النتيجة الواحدة على أن هناك تفاوتا من حيث القوة فيما يخص بناء هذه الحجج، كما أن الحجج قد تنتمي إلى قسم واحد كقولنا: الطالب مجتهد (ن) فقد نجح في المسابقة بامتياز (ق1) وتحصل على جائزة الجامعة (ق2) . 

أهمية نظرية السلالم الحجاجية : 

        إن مفهوم السلم الحجاجي في الخطاب من حيث تركيزه على مبدأ التدرج في توجيه الحجج يبين أن المحاجة اللغوية لا ترتبط بالمحتوى وإحالة هذا المحتوى على مرجع محدد بل هي رهينة القوة والضعف الذي ينفي عنها الخضوع لمنطق الصدق والكذب ،ومما تجدر الإشارة إليه أن المتكلمين يختلفون في بناء منظومة السلالم إذ أنها متسمة بالخصوصية والذاتية، فالبعض يلخص موقف خصومه، والبعض الآخر يدمجه في برهانه ويتبناه مؤقتا ،وتخضع نظرية السلم الحجاجي عند ديكرو إلى قانوني النفي والقلب ، فالأول يعني أن نفي حجة الرأي الأول هي حجة للؤرأي المخالف، وأما الثاني فيعني كون السلم الحجاجي للأقوال المثبتة هو عكس السلم الحجاجي للأقوال المنفية، ومن صور الإفادة من السلم الحجاجي في الخطاب الإشهاري التصريح بالعلامة أو الماركة ،فهذه الإستراتيجية الخطابية في حد ذاتها حجة تصنف في أعلى السلم الحجاجي بناء على المعرفة الخلفية المخزونة في ذهن المتلقي . 

المبدأ الحجاجي 

        يشير إلى المسلمات والأفكار السائدة اجتماعيا ، والتي تضمن ترابط الحجج والنتائج في الخطاب مع التصديق بصحتها واقعيا فالكل يعتقد بأن العمل يؤدي إلى النجاح وهبوط درجة الحرارة يؤدي إلى نزول المطر ..إلخ ، و بالجملة مكن القول بأن المبادئ الحجاجية العامة تعبر عن الضمير الجمعي في رؤية العالم ، والتعارض الخطابي ناتج في الأصل عن التعارض في المبادئ الحجاجية . 

المواضع[20]

          يعد الموضع فكرة مشتركة ومقبولة لدى جمهور واسع عليها يرتكز الاستدلال اللغوي في الخطاب ، والموضع من حيث الشكل يتحدد بعلامة أكثر وأقل ضمن منطقة قوة محددة توصف من خلال العلاقات التالية : (+ ،+) ، (+،-) ،(-،+) ، (-،-) ،والمثال التالي يوضح ذلك : 

1- اشتر لزينب هذه القصة فثمنها عشرون دينارا (+،+). 

2-  لا تشتر لزينب هذه القصة فثمنها عشرون دينارا .(-،+) 

3-اشتر لزينب هذه القصة فما ثمنها إلا عشرون دينار ا. (+،-). 

4-لا تشتر لزينب هذه القصة فما ثمنها إلا عشرون دينارا ّ(-،-) . 

وهكذا يمكن القول أن الجملة التي تنجز في مقام مخصوص لا تفضي إلى نتيجة  محددة إلا لالإحالة على موضع من المواضع . 

آليات الخطاب الإشهاري( لكل مقام إشهار) 

تعريف الإشهار(Advertisement

         يمثل الإشهار أحد الأنماط التواصلية الأساسية لترويج البضائع والسلع عبر الوسائط الإعلامية الشفوية أو المكتوبة أو المرئية الثابتة أو المتحركة ،بأسلوب مباشر وصريح يتجه فيه المعلن( المشهر) بإعلانه نحو الزبون أو بأسلوب غير صريح قصد الاستمالة والإغراء العاطفي ويشير روبير لوديك إلى هيمنة الإشهار على الخطاب الاتصالي المعاصر فهو مثل الهواء الذي يستنشق صباح مساء[21]،ويعرف أوكسنفلد (Oxenfeld) الإشهار بكونه عملية اتصال إقناعي تهدف إلى نقل  التأثير من بائع إلى مشتر على أساس غير شخصي يحثه على الإقبال على المعروض والانتفاع بخدماته ، مع إرشاده إلى مكان البضاعة ونوعها وطرق استعمالها [22]مقابل قيمة مالية محدودة، ويتم هذا الاتصال عبر وسائل الاتصال الجماهيرية من راديو وتلفاز وجرائد وجلات وإنترنيت ..إلخ [23]،هذا ويشير الإشهار المنجز من طرف فرد أو جماعة إلى الرغبة في تنامي طاقة الاستهلاك لدى الزبائن أو المتلقين في ظل توقع استجابة مرغوب فيها من طرف أولائك الزبائن الحريصين على إشباع لذة تذوق الجديد ،كما يقوم الإشهار بدور خطير  في توجيه الرأي العام بفضل قدرته على تمرير إديولوجيته وقيمه إلى المتلقي عبر شبكة صورلوجية قابلة للاستهلاك الآني وبشكل  طبيعي، وبالنسبة إلى طبيعة الرسالة الإشهارية يمكن القول بأنها تقوم على تنظيم من العبارات الشفوية أو المكتوبة المتسمة بالإيجاز والإيقاع الخفيف داخل إطار مميز من الصور والحركات والموسيقى تنزع في الغالب إلى الغرائبية والخيال بخاصة إذا تم التريوج للرسالة الإشهارية عبر الوسائط السمعية البصرية، ويخضع الفعل الإشهاري إلى تنظيم من القواعد التي تحقق نجاعه وهي بمثابة شروط صحة وسلامة لتوفيقه في التداول ؛من ذلك : 

         1- تحكم صاحب الإشهار في الرسالة الإشهارية ، من حيث الحجم والمدة الزمنية. 

         2-عمومية الرسالة الإشهارية ، وعدم اختصاصها في الغالب بكل فرد على حدة . 

         3-تضخيم السلعة في مقابل تهوين القيمة[24]، وفي سياق ارتبط الإشهار بالبعد الحجاجي يضرب فان ديك مثالا ملموسا يتمثل في ظهور إشهار ضخم في إحدى الجرائد الهولندية عن شل للإشادة بمادة جديدة في البنزين ، وهي مادة (ASD)أمستردام سوبر مادة منظفة ، ويسعى الخبراء إلى إقناع الزبائن بإبقائها للمحرك أكثر نظافة مما يؤدي إلى استهلاك اقتصادي وفق البنية الحجاجية التالية : 

1-اشتر بنزين شل( نتيجة ) 

2-بنزين شل يحتوي على مادة منظفة سوبرASD 

3-موتور نظيف يستهلك بنزين أقل 

4-ثبت بالتجربة 

5-أترغب في قيادة سيارة بصورة اقتصادية، وأنت سائق سيارة 

6-اشتر بنزيل شل[25] 

أنواع الرسائل الإشهارية [26] 

                   تشير الدراسات الإعلامية إلى إمكانية التمييز بين أوناع عدة للفعل الإشهاري ، في ضوء تعدد أغراضه وموضوعاته ، من ذلك: 

أ- الإشهار الإرشادي 

                   يهدف هذا النوع إلى تزويد الجمهور بمعلومات تفصيلية عن مكان اقتناء السلعة ، وكيفية استخدامها ، والانتفاع بمزاياها ، وربما اتجه هذا النوع وجهة تعليمية  تقوم على تلقين الفائدة العملية للسلعة. 

ب-الإشهار الإعلامي 

         إن الهدف الحقيقي لهذا النوع يتمثل في إقامة علاقة ثقة بين المنتج والمستهلك من خلال تصحيح خطأ شائع عن سلعة معينة يتم تداولها في السوق. 

ج-إشهار الأعمال 

         يخص فئة معينة من الجمهور هم الوسطاء التجاريون وأرباب العمل المنتفعون بالسلعة بشكل رئيس . 

د-الإشهار البريدي 

         يعتمد مروجو السلع في كثير من الأحيان الرسالة البريدية لإيصال معلومات مهمة ومثيرة عن سلعهم إلى الزبائن فيكون هؤلاء على تماس مباشر مع الهدف موضوع الإشهار ، من مثل ما تقوم به كثير من محلات البيع والمطاعم الفخمة وبنوك التعمير والسلف [27]

ه-إشهار التجزئة 

         يسعى هذا النوع إلى استمالة الزبون لكي يقتني العلامة من نقطة بيع معينة ، بالرغم من وجودها في نقاط أخرى قد تخضع لنفس الرقابة والمسؤولية الإدارية ، ولكن التنافس بين الفروع التجارية يستدعي الإفادة من هذا الأسلوب في إغواء المشتري ، مثل : دجاجة المزرعة في سوق بندا ، مما يعني لدى الزبون : اشتر العلامة من عندنا ، بعلامة خاصة من الموزع.( أنا دجاجة باندا لس واصلة من المزرعة ). 

و-الإشهار الدفاعي 

         يظهر هذا النوع حين يتوالى إشهاران على الوسط الإعلامي نفسه وفي فترة زمنية متقاربة جدا ، يعمل فيها الإشهار الثاني على تحجيم الأثر الإشهاري للسلعة الأولى ، وليس هدف هذا النوع زيادة المبيعات بقدر حماية وجودها وتداولها في السوق. 

ز-الإشهار الدولي 

         غايته الترويج للسلعة والعلامات خارج الموطن الأصلي لها ، ويتخذ هذا الضرب وسائط عديدة ،أكثر انسجاما مع طبيعة الجمهور الثقافية والنفسية والدينية والأيديولوجية ، والقائمون على تصميم نصوص الإشهار الدولي يتوافرون على معرفة موسوعية تتعلق بأفق انتظار مخالف تمام لأفق انتظار أبناء موطن العلامة [28]

ح-الإشهار السياحي 

            هدف الإشهار السياحي توجيه السائح إلى سلوك سياحي معين مؤطر ثقافيا واجتماعيا ونفسيا بمنطلقات حضارية عامة لصاحب السياحة أو الساهر على تنظيمها من خلال الخدمات الانتفاعية المبرمجة في رحلة معينة . 

 الخطاب الإشهاري 

         يمثل الخطاب الإشهاري نوعا من أهم أنواع الخطاب بعامة لاتصاله بالحياة الإنسانية بشكل مباشر فيؤسس لقيمه الاجتماعية والأخلاقية والحضارية [29]، ناهيك عن قيمته التجارية المباشرة، فهو وإن ارتبط ارتباطا وثيقا بالدعاية بمفهوم عام إلا أنه يبطن في الممارسة اللغوية والأيقونية قيمة ثقافية ذات سمة إيديولوجية غالبة تحاول أن ترسخ لدى المستقبلين، ولهذه الطبيعة المتشابكة لابد من تمييز ما هو من الخطاب نفسه بوصفه نسيجا لغويا دالا يهدف إلى الإقناع [30]،وبين ما هو خارج الخطاب اللساني فيما يتصل من قيم سوسيو اقتصادية.،ويتأسس الخطاب الإشهاري في بعده التأثيري على مبدأ الترويج للسلعة والفكرة المنوطة بها من خلال عرض خصائصها المميزة( السمة المائزة في اللسانية ومبدأ القيمة السوسيري ) ، بهدف الدفع بالجمهور المستهلك إلى الاقتناء ، وهكذا تتجسد العملية الإشهارية كفعل اقتصادي اجتماعي وفق العلاقة التالية : 

الإشهاري(le publiciste)                                            ( المستهلك)(consommateur

المنتوج (الموضوع)(produit

          أما إذا نظرنا إلى الفعل الإشهاري في بعده الخطابي فإننا سنعاين مرسلا ومتلقيا وخطابا من تكوين معين ودلالة مخصوصة تنماز عن سائر أنواع الخطاب الأخرى السردية و الوصفية و الطلبية والتفسيرية ، وإن تقاطعت معها في بعض البنى والسمات .لقد ميز الدارسون بين نسقين أساسين في بنية الخطاب الإشهاري أحدهما لساني صرف تكون العلامة اللسانية أداته المهيمنة في التبليغ ، وثانيهما أيقوني صرف تكون العلامة البصرية  أداته الرئيسة إلى عالم الواقع وحضورهما معا بهيمنة طرف على آخر مبني على قصد معين يتوافق مع المقام الإشهاري ، إلا أن الفاحص لهذا النوع من الخطابات يعاين هيمنة نسبية للصورة ثابتة كانت أو متحركة، ولعل ذلك راجع إلى:1-الوظيفة الجمالية للصورة . 

2-الوظيفة التوجيهية للدلالة إذ تحيل الصورة على قراءة الخطاب الإشهاري وتأويله وفق ما يبدي من أفكار وحجج. 

3-الوظيفة الإيحائية للصورة ،وتعويلها على التخييل . 

4-الوظيفة الدلالية، فالدلالة –هنا- محصلة تأثير الصورة في المشاهد . 

5- الوظيفة التشخيصية ، بفضل الصورة وتجسيدها للفكرة تتحول الموجودات الذهنية إلى موجودات عينية ملامسة للوجود الإنساني فيكون أكثر قربا منها واحتكاكا، فتتولد لديه الرغبة في امتلاكها والانتفاع بها [31]

         كما يمكن أن ننطلق في تحديده من البعد الحواري ، فهذا النوع من الخطابات قائم على الحوار بشكل صريح أو ضمني بافتراضه مستمعا أو متلقيا يعلق بإيراد رأيه الشخصي  فيما يعرض عليه من أفكار أوسلع يروج لها وفق خطة معينة ، وقد عرف محمد مفتاح الخطاب الإشهاري ضمن دائرة الاستهواء الحواري ، والمقصود بالاستهواء الحواري الميل النفسي إلى فكرة أو بضاعة معينة بسس محاورة ثنائية بين متكلم ومستمع تتدخل فيها بلاغة الصورة ،وتأثير الموسيقى والخيال . 

 وظيفة الخطاب اللغوي في الصورة 

         يقوم الخطاب اللغوي الموازي للصورة بوظيفتين أساستين هما : 

1- الوظيفة الترسيخية 

         يتحقق هذا البعد بعدم تجاوز حدود معينة في تأويل الصورة ، فوظيفة اللغة هنا توجيه المتلقي إلى معنى معين ، وتثبيته في ذهنه على أنه المعنى المركزي،مما يظهر من عبارات مرافقة للصور الفوتوغرافية والملصقات الإشهارية. 

2-وظيفة الدعم 

         انصهار المعنى اللغوي مع دلالة الصورة في معنى كلي مثل ما يلاحظ في الصور المتحركة كالأفلام والتحقيقات التجارية وغيرها  .. 

اللوحة الإشهارية الحديثة 

         يمكن أن يشمل التحليل التداولي نماذج إشهارية متعددة من خلال الملصقات الإشهارية على المحلات والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والثقافية والصناعية والصناعية وغيرها[32]، كما يمكن أن تكون الإعلانات التجارية التلفزية موضوعا مهما لاستكشاف العملية الإشهارية في بعدها الحجاجي ، وأنواع الحجج اللسانية و الأيقونية المحققة للفعل اللغوي في ضوء مبدأ الترويج للسلعة أو الفكرة شفويا وسمعيا وبصريا بالصورة الثابتة أو المتحركة ، والظاهر أن أغلب الأنماط الإشهارية قائمة على جملة من القواعد اللسانية و السيميائية ، يمكن تمثلها فيما يلي: 

المستوى اللساني 

         يمكن تمعين البنية اللسانية للخطاب الإشهاري  في ضوء المنجز الراهن ،انطلاقا من نظرية الجهد الأدنى والدلالة القصوى ، مما يؤكد تميزه بما يلي: 

1-بساطة الجملة وكثافة الدلالة مثل : برجر كنج ببساطة الطعم ألذ[33] 

2-تداخل المستويات اللغوية ( فصحى/عامية) 

3-براعة الانتقال من السرد إلى الوصف أو البرهان أو التفسير ،أو الدمج بين هذه الأغراض. 

4-الإغراق في الخيال ،والمغامرة 

5-السجع وتكرار العبارات ، ويمكن أن نمثل لهذه السمة بإشهار أحد الباعة المتجولين في سوق خيرية أقيمت بإحدى مناطق مدينة الرياض في شهرمارس 2007 يظهر فيه السجع كتقنية حجاجية مؤثرة ناهيك عن دلالة الصورة عن معاني اجتماعية لها فاعلية تأثيرية كبيرة بخاصة على الأزواج : كشري المحبة كشري الحنان ، أرب وجرب ياطيب تروح وترجع وتقول كمان وتسأل عالجيران  ، لاتحجز باخرة ولا عبارة ، احن جبنالك الكشري بالطيارة 

شاورمة حجازية تكلهخا وتنام نومة هنية ، وتصبح وتضرب حماتك لوكانت حماتك مفترية 

6-هيمنة الفعل الطلبي المباشر. 

7-غياب القيمة الزمنية الواقعية ( الزمن النفسي/الزمن الشعري) . 

8-توظيف الضمائر المحيلة على المشاركة الجماعية قصد إشعار المتلقي بالأمان :من شيمنا كرم الضيافة ،فلنتشبث بكرمنا ،مع رونو نشعر بالأمان 

9-البعد الإيحائي للغة الخطاب الإشهاري،ذلك أن التقريرية قاصرة عن استمالة المستهلك. 

10-أسطورية الخطاب الإشهاري في ضوء عنايته بالدلالة الرمزية للكلمات و السيميائية للصورة والحركة والإيقاع. 

11-الطابع التلغرافي الذي يتحقق باستراتيجية الحذف بدليل سياقي أو مقامي، وربما يمكن القول إن هذه البنية الاختزالية منسجمة جدا مع الغرض الإشهاري الأساس والمتمثل في الاقتصاد المعيشي ، إذ عادة ما يحرص المشهر على إقناع المشهر له بأهمية السلعة و زهادة سعرها الذي يعنى : الاقتصاد نصف المعيشة  من حيث هي قيمة اجتماعية راسخة في حياة الأفراد، من ذلك قول أحد الباعة المتجولين : 12 ل6 فبالإضافة إلى امكان الحصول على قميصين لشخص واحد ، هناك توجيه اجتماعي بأن الأسرة الأكثر استقرارا من الناحية المادية تلك المتكونة من ستة أشخاص[34]، وربما كان وراء هذا القول خطاب إديولوجي واجتماعي تحرص الدولة على ترسيخه في المجتمعات التي تعاني من معدل نمو سكاني مرتفع . 

المستوى الأيقوني 

         مما يسهم في تكوين العلامة الإشهارية الدالة في الخطاب الإشهاري الصورة والصوت واللون والحركة والموسيقى والديكور، وتهدف هذه العلامات السيميائية إلى إعادة صياغة المعنى اللساني المثبت باللفظ، وإضفاء الحياة و الدينامية عليه فيضحي حركة مشهدية نامية، ولعل أهم الوظائف التبليغية التي تحققها الصورة أنها تخرج القيم المجردة من حيز الكمون إلى حيز التجلي فتصبح واقعا ماديا محسوسا في ضوء ما ينتج من مشاهد إشهارية تتخلل أو توازي الخطاب اللساني، وربما حولت الصورة العوالم المجردة والمثالية إلى عوالم ممكنة بالرغم من تشبثها بالسباحة الغرائبية في الهواء ،أو الدوران حول الأرض والقفز بين مسافات شاسعة بفضل بدلة رياضية أو حذاء من ماركة عالمية، وربما تحول الضعف الإنساني إلى قوة أسطورية خارقة بفضل تناول مشروب ما،هذا وتفيد الصورة المتعلقة بالإشارات والحركة الجسدية في تثبيت العلاقة وتزطيد عراها بين المرسل والمستهلك فتجعله أكثر وثوقا ورغبة فيما يعرض على ناظريه بخاصة إذا دعمت بالصوت الشجي  والنغمة الموسيقية ،واللون المختار بعناية فائقة في تواءمه مع موضوع الإشهار ،وهذا يتطلب معرفة متخصصة بسيمياء الألوان في النسق الحضاري المعين[35]

         إن القيمة الإقناعية للصورة في الخطاب الإشهاري لا تتحقق نجاعتها إلا في ضوء النسق اللغوي فأنظمة الحركة واللباس والموسيقى لا تكتسب صفة البنية الدالة إلا إذا مرت عبر محطة اللغة التي تقطع دوالها وتسمي مدلولاتها[36]، وفي هذا السياق يذهب إيريك بويسنس(E.Bryssens) إلى أن الصورة نسق دلالي قائم بذاته، لها وظيفة أساسة في التواصل ، وليست حشوية فيه ،بالنسبة إلى العلامة اللسانية الطبيعية، بل إن اللغة في كثير من الأحيان تحتاج إلى مثل هذه النظم السيميولوجية لتحقق وظيفتها التبليغية فهي وإن كانت دالة دلالة رئيسة إلا أنها لا تستطيع احتكار الدلالة[37]

         إن البلاغة لاتقف عند حدود النص اللغوي المكتوب أو المنطوق بل إن الصورة أيضا تتضمن أحداثا بلاغية على عكس ما هو سائد من أن البلاغة حكر على اللغة ، وأن الصورة نسق بدائي قياسا إلى اللغة ، ويرى البعض الآخر أن الدلالة تستنفذ ثراء الصورةالذي لايمكن وصفه[38]، ومن ناحية ثانية يمكن النظر إلى العلامة اللغوية في الخطاب الإشهاري  من زاوية وظيفية بحتة وذلك في مستوى كفاءتها التفسيرية المحققة للوظيفة المعجمية ( الميتالغوية ) فهي تحدد دلالة الصورة كي لايجمح الخيال الفني بالمتلقي فيبعد عن الأغراض الأساسية للصورة الإشهارية المنجزة في الخطاب .   الخطاب الإشهاري والمكون السيكولساني 

                   الخطاب الإشهاري نسق لساني دال على قيم متعددة تندغم وظيفيا في تشكيله، إذ يحيل على القيمة النفسية والاجتماعية والتداولية والثقافية ، مما يجعل المحلل مطالبا باستدعاء جملة من الخبرات والمعارف من تخصصات مختلفة قصد استكشاف استراتيجية بنائه وأغراضه في التواصل اللساني ، ويذهب بشير إبرير إلى أن دراسة الإشهار لا يمكن أن يؤطرها التحليل اللساني الصرف بسبب ما يطفو على سطحه من خطابات دالة ، وبالتالي فإن أنسب مقاربة لتحليل بناه ،وتحديد أغراضه هي المقاربة السيميائية  التي تفيد في المستوى التحليلي من المداخل اللسانية والنفسية والاجتماعية والثقافية[39]

أساسيات الإقناع اللغوي في الخطاب الإشهاري 

         يقوم الخطاب الإقناعي في النصوص الإشهارية على جملة من القواعد المستخلصة من التأمل في بعض نماذجه المتداولة ، لعل أهمها : 

1-الإعلان عن البضاعة و الإخبار عن مكانها ، ويمثل هذا الإعلان في صورته المباشرة اللحظة الصفر في العملية الإشهارية . 

2-أسلوب المراوغة قصد تحريك الزبون واستمالته نفسيا، والاقتراب من عاطفته بأسلوب الصديق الحميم ، مستعينين بلعبة اللغة : نحن بعون الله نرعاكم أو نحن في بنك الرياض ، أو إذا أردت أن ننجح معا …إلخ[40]

3-اختيار الإحالة الضميرية الجماعية ( نحن ) قصد تغليب الأنا الجمعية وتغييب الذات الفردية مما يسهم في توليد الشعور بمتانة العلاقة بين المشهر والمشهر له ، والتعبير بصوت الجماعة عامل قوي في جعل الخطاب الإشهاري غير قابل للدحض الحجاجي. 

4- الإيجاز والاختصار في العبارة اللغوية مطبقا بذلك قاعدة الكم التي تحرص عليها نظرية الحوار في التداولية، مثال ذلك : لافاش كي ري  المفضلة لمذاقها اللذيذ .علامة الجودة يحملها ضوب

5-النزعة التمجيدية (غرض المدح ) المتحققة برسم الصور المثالية دون نفي أو استهجان أو استنكار للمعروضات الأخرى بشكل مباشر. 

6- يمكن النظر إلى لغة الخطاب الإشهاري في تأليفها العفوي ( العامية ) على أنه وسيلة إقناعية لغوية من الدرجة الأولى فلا حاجز لغوي بين المستهلك والسلعة والوسيلة المعبرة ( نظام الترميز ) وهذا الإطار من شأنه أن يخلق جوا من الألفة و الإطمئنان ، ولنا أن نأخذ أغلب الخطابات الإشهارية  التلفزية على الشاشة المصرية التي تأخذ بمبدأ الكيف الذي نصت عليه نظرية التعاون الحواري التداولية[41]

        وحتى يحقق الخطاب الإشهاري غايته الإقناعية عليه أن يؤسس منطقه ببراهين وحجج تدعم الأطروحة ( السلعة ) ، وتجعل منها منالا مقبولا ومرضيا لدى المستهلك ، ويقوم الإقناع هنا على الحجاج اللغوي الذي يعتمد بدوره على : 

1-ترتيب الأفكار على شكل جمل متسلسلة. 

2-الشاهد الحجاجي ( أقوال الحكماء والأطباء ، الأمثال والحكم) 

3-المبدأ الكوني المسلم به ، مثل ما يؤسسه الخطاب التالي : الصيف يطل ويرحل ، الخريف يشرف ويودع 

الشتاء يظهر ويختفي ، الربيع يزهر ويغيب 

لكن إذا كان كل شيئ يتغير 

فقهوة سمر هي هي لا تتبدل ولا تتغير[42]

4-المنطق الاستقرائي الذي ينقل المتلقي من الجزئي إلى الكلي كالمطابقة بين عمل آلة الغسيل وراحة بال ربة البيت الأنيقة  مما سيكون له أثر لدى المستهلك فكل إجراء خطابي حكم مسلم به في حق هذه الآلة[43].  

القيمة الإشهاريةفي الخطاب المقدماتي في المقامة البشرية -دراسة تطبيقية- 

         سنحاول تقديم لوحة تراثية إشهارية تمثلها المقامة البشرية بخاصة في  خطابها المقدماتي ، مع إبراز طاقتها الإقناعية المصاحبة للفعل الإشهاري ، والمحققة بتضافر وظائف الخطاب الأساسية في ضوء نموذج الوظائف اللغوية عند رومان جاكبسون، وقبل تمعين البعد الإشهاري في هذا الخطاب  لابد أن نشير  في عجالة إلى مضمون النص السردي المعين ، الذي  يروي خبر صعلوك من صعاليك العرب كان قد أغر على ركب فيهم إمرأة جميلة فأخذها وتزوجها ، فأرادت الإنتقام منه موقعة إياه في  مأزق قاتل بحيلة ( خدعة )  تسير أحداثها على غير المعهود في حيل بديع الزماني الهمذاني ، فقد كانت الحيلة في مبدئها لغوية صرفة ‘ولت فيها المرأة على فتن السرد ، وغواية الحكي مخترقة أفق المتلقي  المتماهي مع الرغبة في التملك والسيطرة والبحث عن اللذة والمرأة ، ثم ينخرط بطل المقامة في صراع من أجل البقاء والفوز بالمطلب في أسلوب درامي أو قل ملحمي  تكتنفه الغرائبية  وانتهاك لسلطتي الزمان والمكان لتنتهي المغامرة بفشل وهزيمة البطل بدون أن يحقق هدفه ،وافتضاح أمر صاحب الحيلة (المرأة )، لقد حقق الخطاب السردي في نص المقامة البشرية أهدافا جملة لعل أهما الهدف الإشهاري المندغم مع الحجاج أسلوبا للدفاع عن فلسفة حياتية ورؤية من المجتمع والمرأة في ضوء القيم الاجتماعية العربية القديمة، ويقوم الخطاب السردي  على الأركان التالية : 

         المرسل( المشهر ) 

         يمكن القول بأن الزوجة إمرأة عالمة بأخبار الرجال ومكامن القوة والضعف فيهم ، لذلك حاولت بكلماتها المعبرة ونظراتها وحركاتها الغاوية  الوصول إلى قلب الرجل ،واستمالة عواطفه ،وإثارة غريزة حب التملك لديه ، مروجة لبضاعة ثمينة ليست سلعة عينية بل هي فتاة جميلة تصلح لأن تكون زوجة مرتقبة لفارس شجاع هو بشر بن عوانة العبدي ،ولقد حقق الزوجة بغوايتها السردية المتلبسة بالأداء الشعر بالوظيفة التعبيرية ، والتي تجلت في عبارات تثير الرغبة و إسالة لعاب المستمع، فكان رد المتلقي مناسبا لمقام الترغيب ، مما يعني نجاح المشهر في استمالة الزبون ( المستهلك ). 

         إن المرسل في الخطاب فاعل أساس لأنه المسؤول عن رسم خطة التأثير ، ثم توجيهها الوجهة الإقناعية المناسبة مستدرجا المتلقي إلى الهدف المتمثل في اقتناء المرغوب والانتفاع به، وفي هذه المقامة يقوم بوظيفة المرسل أكثر من شخص فبالإضافة إلى الراوي يمكن الإشارة إلى مرسلين آخرين يتحكمون في صناعة الحدث السردي ببعديه الإشهاري و الإقناعي مبتدئين بالمرأة الأسيرة التي تريد الانتقام لشرفها وشرف قبيلتها من خلال الإيقاع ببشر ببعض الحيل ، فتنفتح المقامة على خبر هذا الصعلوك المتمرد على تقاليد القبيلة وطقوسها الاجتماعية  باعتدائه على ركب فيه إمرأة جميلة وقعت بين يديه أسيرة ، فاستخلصها لنفسه زوجة فقررت الخلاص منه بغواية أداتها اللغة الساحرة . 

المرسل إليه (المستهلك ) 

          يمثل بشر في هذا الخطاب الإشهاري الهدف أو الزبون بالاصطلاح الحديث الذي يسعى بكل طاقته للحصول على موضوع القيمة ( السلعة ) ابنت العم التي أضحت في فكره وخياله غاية تهون في سبيلها كل التضحيات، لذا توجهت الزوجة بخطابها الإشهاري تزين ابنت العين في خياله ، ممتدحتا إياها بشتى الصفات الحميدة الخلقية بخاصة لما لهذا من تأثير بالغ في إثارة الرغبة  ، وبالرغم من علمها المسبق برفض العم لمثل هذا الطلب إلا أنها راحت تؤكد لبشر أحقيته بابنت العم ، والواضح أن نوعا من العقد الاجتماعي تم بين الطرفين مقابل منافع مادية معينة ، يقول العم مجيبا عن طلب بشر: 

         لقد تحقق الوظيفة الإفهامية في أكثر من مستوى تواصلي ؛بين الزوجة وبشر ،وبين بشر وعمه ،والقاسم المشترك بين الخطابان المنجزان أن الطرف الأول سعى سعيا حثيثا إلى إفهام الثاني ما يجب فهمه ، ومحاولة استمالته بشتى الوسائل ، وإثارة عواطفه ،ودغدغة أحاسيسه ليقبل على الغاية بقناعة تامة  فقد استعمل بشر وسيلة ا&%

Publié par boymed1sat dans Non classé | Pas de Commentaires »